بوابة سوريا

عيد القوزلة: طقوس متجذّرة في تراث الساحل السوري

أعياد وتقاليد ساحلية

يُعتبر عيد القوزلة من المناسبات التراثية العريقة التي يحتفل بها سكان الساحل السوري في ليلة 13 كانون الثاني (يناير) من كل عام، ويُعرف أيضًا باسم رأس السنة الشرقية أو رأس السنة السورية القديمة، وهو تقليد يعود بجذوره إلى العصور القديمة، حيث يرتبط هذا العيد بالتقويم اليولياني الذي كان مُعتمدًا قبل تعديل التقويم الميلادي، وما زال يُحتفى به في العديد من المناطق كجزء من الهوية الشعبية والتقاليد المتوارثة عبر الأجيال، كما ورد ذكر العيد في كتاب “آثار الحقب في لاذقية العرب” الذي يعود إلى القرن التاسع عشر للعلامة الياس صالح اللاذقي، فما هو هذا العيد وما طقوسة.

أصل التسمية والتاريخ

تعود تسمية القوزلة إلى جذور قديمة وهناك تفسيرات عدة لمعناها، إذ يُقال إنها مشتقة من كلمة سريانية تعني “التحوّل” أو “التبدّل”، في إشارة إلى الانتقال من عام إلى آخر. كما يُعتقد أن التسمية قد تكون متصلة بالكلمة اليونانية “Kozila” التي تشير إلى الفرح والاحتفال، وعلى الرغم من عدم وجود توثيق دقيق حول أصل المصطلح، إلا أن العيد بحد ذاته يمتلك طابعًا خاصًا ميزه على مر العصور، حيث كان جزءًا من الطقوس الزراعية والاحتفالات الموسمية المرتبطة بدورات الفصول والزراعة.

كما يقول بعض الباحثين إن كلمة قوزلة مشتقة من الكلمة الآرامية “قوزلة” والتي تعني البداية، وهو تأويل يتناسب مع الاحتفال الذي يصادف بداية السنة الجديدة وفقًا للتقويم اليولياني.

ويقول بعض الباحثين إن لكلمة قوزلة جذور في حضارات مختلفة كالأكادية والآشورية والسريانية، حيث أن لكلمة “غوزلة أو قوزلة أو قوزلتو” معاني متعددة في المعاجم السريانية، فهي تعني الشهب والنار والجمر وأيضًا اللهب، بالإضافة إلى كل ما ذُكر فإن كلمة قوزلة وردت في ملحمة جلجامش السومرية، وتعني قوزالو المبشر، والنذير والمنادي وقد يكون لذلك صفة ملكية.

ففي الحضارات القديمة وخاصة الفينيقية، كان الاحتفال بالسنة الجديدة يترافق مع طقوس تجسد الخصوبة، الخير، والتجدّد، إذ كان الناس يتبادلون التهاني ويشعلون النيران تعبيرًا عن النور والدفء في مواجهة ظلمة الشتاء، ومع مرور الزمن تأقلمت هذه الاحتفالات مع البيئات المختلفة، واقتصرت اليوم على الزيارات بين الأصحاب والأقارب بالإضافة إلى تناول الأطعمة، لكنها بقيت محافظة على جوهرها التقليدي، خصوصًا في القرى والبلدات الساحلية السورية.

ومن الجدير بالذكر أن هذا العيد لا يرتبط بأي مناسبة تاريخية وليس له أي صلة بالعقائد الدينية، وإنما هو تراث سوري تقليدي قديم حافظت عليه بعض القرى منذ مئات السنين.

الساحل السوري

اقرأ أيضًا: قصر العظم في دمشق

الاحتفالات والطقوس التقليدية

تقول المصادر إن الاحتفالات سابقًا بـ عيد القوزلة كانت تستمر سبعة أيام متواصلة، متشبثين فيها بعاداتهم وتقاليدهم ومواظبين على طقوسم، والتي تتمثل على الشكل التالي:

إشعال النيران

من أبرز معالم عيد القوزلة إشعال النيران في الساحات أو أمام المنازل، وهو تقليد متوارث يرمز إلى التجدّد والحياة والحماية من الشرور، حيث يجتمع أفراد العائلة حول النار يتبادلون القصص، ويرددون الأغاني الشعبية التي تعبّر عن الفرح والابتهاج في بعض القرى كـ “العتابا” وغيرها من الأغاني الشعبية، كما يقوم الأطفال بالقفز فوق النار تعبيرًا عن الشجاعة والتفاؤل بالعام الجديد، بينما يحرص الكبار على إلقاء بعض الأغصان أو الحبوب في اللهب كنوع من التمني بسنة مليئة بالخيرات والبركة.

وليمة القوزلة

لا يكتمل الاحتفال بـ عيد القوزلة دون المائدة العامرة التي تضم مأكولات شعبية مميزة، أبرزها:

  • القمح المسلوق (البربارة): وهو طبق تقليدي يُعدّ من القمح المسلوق مع السكر والمكسرات، ويُرمز به إلى الخصوبة والخير.
  • الكبة والمشاوي: حيث تُحضّر العائلات الكبة المشوية أو اللبنية، بالإضافة إلى الكبة بسلق المشهورة في الساحل السوري، إلى جانب المشاوي التي تُعد جزءًا من الطقوس الاحتفالية.
  • الفطائر والمعجنات: مثل فطائر الجبن والزعتر، التي تعدّ جزءًا أساسيًا من ضيافة العيد، بالإضافة إلى أقراص العجين المحشوة باللحم والتي تسمى “زنكل”.

كما أن الحلويات مثل المشبّك والعوّامة تكون حاضرة بقوة في السهرات العائلية، حيث يجتمع الأقارب لتناولها مع القهوة أو الشاي، وسط أجواء دافئة يملؤها الفرح، فضًلا عن الفواكه وخبز التنور التي تصنعه الجدات بكل حب.

زيارة الأقارب والجيران

يمثل عيد القوزلة فرصة للتواصل الاجتماعي وتعزيز العلاقات العائلية، حيث يحرص الجميع على تبادل الزيارات بين الأقارب والجيران، وتقديم التهاني بهذه المناسبة. كما تُقدَّم الضيافات التقليدية، ويتبادل الناس الأمنيات بسنة جديدة تحمل الخير والسلام للجميع.

عيد القوزلة

اقرا أيضًا: نوروز الأكراد في سوريا… احتفال بالربيع والهوية والتاريخ

رمزية القوزلة وأهميتها في التراث الساحلي

لعب عيد القوزلة دورًا مهمًا في حياة المجتمعات الزراعية القديمة، حيث كان بمثابة بداية غير رسمية لموسم زراعي جديد، فمع حلول منتصف الشتاء كان الفلاحون يستبشرون بقرب نهاية البرد القارس واستعداد الأرض لاستقبال بذور الخير. لذلك، ارتبطت احتفالات القوزلة بطقوس التفاؤل بالمحصول الوفير، وكان الناس يتبادلون الأدعية والأمنيات بعام مليء بالعطاء.

كما ظل عيد القوزلة صامدًا في الذاكرة الجماعية لسكان الساحل السوري، حيث يُعدّ جزءًا من الهوية الثقافية والموروث الشعبي. فكل عام، يحرص الكثيرون على إحياء هذا العيد بنفس الطقوس والعادات التي ورثوها عن أجدادهم، ما يجعله جسرًا بين الأجيال يعزز الترابط الاجتماعي والانتماء الثقافي.

أما اليوم ومع إنشغال الناس بالتطور والتكنولوجيا وانغماسهم بهموم الحياة ومشاغلها، فيمكننا القول أن الاحتفال بـ عيد القوزلة قد اختلف وفقد قليلًا من روحه القديمة التي كانت تجمع كل الأحباب سويًا لبدء سنة جديدة، فضًلا عن سوء الأحوال المعيشية وغلاء الأسعار التي حدت من إنشاء موائد طعام واسعة.

عيد القوزلة

اقرأ أيضًا: قصر الزهراوي في حمص

في الختام، يمكننا القول إنه ورغم التطورات الحديثة، يبقى عيد القوزلة مناسبة خاصة تجتمع فيها العائلات حول النيران والمأكولات التقليدية، يتبادلون الضحكات والتهاني، ويرددون أغنيات الأجداد، وكأنهم يقولون للزمن: “نحن هنا، وتراثنا باقٍ”.في كل ليلة 13 كانون الثاني يتوهّج وهج القوزلة في القلوب قبل أن ينعكس على لهب النيران، فمهما اختلفت الأزمنة ستظل هذه المناسبة عيدًا للحياة والمحبة.

السابق
وادي الملوك اكبر مقابر أثرية في العالم
التالي
أبناء القلعة: ملحمة أدبية1 .