بوابة سوريا

حلاوة الجبن: سُكر الشام وعبق الذاكرة

حلاوة الجبن

تُعد حلاوة الجبن واحدة من أشهى الحلويات العربية التقليدية وأكثرها شهرة، حيث تجمع بين المذاق الحلو والقوام الفريد.

تجاوزت حلاوة الجبن كونها مجرد حلوى، بل إنها جزء لا يتجزأ من التراث الثقافي والمطبخي للمنطقة، تحمل في طياتها قصصًا عن الأصالة، وتنافسًا وديًا بين المدن على شرف ابتكارها.

بقوامها المطاطي الناعم، وحشوتها الكريمية الغنية بالقشطة، ورائحة ماء الزهر الفواحة، تُعد رمزًا للكرم والضيافة في المناسبات والأعياد.

وفي هذا المقال سنغوص في عالم حلاوة الجبن الساحر مستكشفين أصولها التاريخية التي تثير الجدل، ومكوناتها البسيطة التي تتحول إلى تحفة فنية، وطرق تحضيرها التي تتوارثها الأجيال، وصولًا إلى المدن التي اشتهرت بإتقانها لهذه الحلوى الشهية.

تاريخ وأصل حلاوة الجبن

تاريخ حلاوة الجبن غني بالروايات والجدل، فبينما يتفق الجميع على أنها حلوى شامية أصيلة، يظل السؤال حول المدينة التي شهدت ولادتها الأولى محل نقاش حاد بين مدن سوريا ولبنان.

هذا الجدل الذي غالبًا ما يكون وديًا، يضيف إلى سحر هذه الحلوى ويجعلها أكثر من مجرد طبق، بل جزءًا من الهوية الثقافية لكل مدينة.

الرواية الحموية

تشير معظم المصادر السورية إلى أن حلاوة الجبن وُلدت في مدينة حماة السورية، وتحديدًا على يد عائلة سلورة في سبعينيات القرن التاسع عشر.

ويُقال إن بائع حلويات بسيط من هذه العائلة توصل إلى هذه الوصفة الفريدة، مستفيدًا من وفرة الجبن والسمن العربي في المنطقة.

وبفضل موقع حماة الاستراتيجي كمركز تجاري، انتشرت حلاوة الجبن منها إلى باقي المدن السورية، مثل حمص وحلب، ومن ثم إلى الدول المجاورة.

الرواية الحمصية

على الرغم من الرواية الحموية، تُعد مدينة حمص السورية اليوم من أشهر المدن السورية في صناعة حلاوة الجبن، حتى أن البعض ينسب إليها أصل هذه الحلوى الشهيرة.

ويُعزى هذا الانتشار والشهرة في حمص إلى موقعها المركزي على طرق التجارة، مما ساعد على انتشار الحلوى منها إلى مناطق أوسع.

كما أن حمص تشتهر بإنتاج الألبان والأجبان عالية الجودة، مما يوفر المكونات الأساسية لحلاوة الجبن بكميات كبيرة وبجودة ممتازة.

يتنافس أهالي حمص وحماة على لقب “براءة اختراع” حلاوة الجبن، وهذا التنافس الصحي أدى إلى تطوير الوصفة وابتكار أساليب جديدة في تحضيرها، مما أثرى المطبخ الشامي.

الرواية اللبنانية

لا يقتصر الجدل على سوريا فقط، فبعض الروايات تُشير إلى أن أصل حلاوة الجبن يعود إلى مدينة طرابلس اللبنانية.

تقول هذه الروايات إن أحد السوريين تعلم الوصفة من أهالي طرابلس قبل حوالي 100 عام وعاد بها إلى سوريا.

حيث تشتهر طرابلس، المعروفة بـ”عاصمة الشمال” و”مدينة الحلويات” بتنوع حلوياتها التقليدية، وحلاوة الجبن هي إحدى هذه الحلويات التي أتقنها الطرابلسيون وأضافوا إليها لمساتهم الخاصة.

واستنادًا إلى ما سبق وبغض النظر عن أصلها الدقيق، فإن حلاوة الجبن هي نتاج عبقرية المطبخ الشامي، الذي استطاع أن يحول مكونات بسيطة إلى حلوى فاخرة تُرضي جميع الأذواق.

وهذا الجدل حول الأصل لا يقلل من قيمتها، بل يزيدها سحرًا ويُبرز مدى تعلق الناس بهذه الحلوى التي أصبحت جزءًا من هويتهم الثقافية.

أمّا الأهم هو أن حلاوة الجبن استطاعت أن تتجاوز الحدود الجغرافية، لتصبح حلوى محبوبة في جميع أنحاء العالم العربي، وتُقدم في أرقى المطاعم والمحلات المتخصصة بالحلويات الشرقية.

حلاوة الجبن

اقرأ أيضًا: خميس الحلاوة الحمصية… تقليد شعبي ينبض بالمحبة في قلب مدينة حمص

مكونات حلاوة الجبن

من أول نظرة، تبدو حلاوة الجبن وصفة بسيطة.

لكن سرّها الحقيقي يكمن في التوازن الدقيق بين المكونات المتمثلة في:

أولًا: العجينة (الطبقة القابلة للفرد واللف)

تُعد عجينة حلاوة الجبن فريدة من نوعها، فهي لا تحتوي على طحين كالعادة، بل تتكون أساسًا من الجبن والسميد، مما يمنحها ليونة خاصة وطابعًا مميزًا.

1_ الجبن الأبيض (جبن عكاوي أو جبن مجدول منزوع الملح):

يُعتبر المكوّن الأساسي في عجينة حلاوة الجبن،حيث يجب أن يكون الجبن قليل الملح أو منزوع الملح تمامًا، لأن أي ملوحة زائدة قد تُفسد الطعم الحلو للحلوى، ففي البداية يُغسل الجبن بالماء عدة مرات للتخلّص من الملح، ثم يُذوَّب على نار هادئة حتى يصبح لينًا ومطاطيًا.

2_ السميد الناعم (الفرخة):

يُضاف السميد إلى الجبن المذاب لتكوين العجينة، حيث يمتص الرطوبة الزائدة، ويُساعد على تماسك العجينة وعدم تفتتها أو لصوقها الزائد، مما يعطي العجينة قوامًا متوازنًا بين الطراوة والثبات.

3_ ماء الزهر أو ماء الورد (حسب الرغبة):

يُضاف أثناء خلط عجينة حلاوة الجبن لإضفاء نكهة شرقية عطرة،حيث يعتبر ماء الزهر من السمات الأساسية للحلويات الشامية، ويُضفي لمسة عبير محببة في كل لقمة.

ثانيًا: الحشوة (القشطة)

تعتبر القشطة (القيمر أو القشطة العربية) الحشوة الأساسية في الحلاوة، وتُوضع داخل العجينة بعد فردها، حيث تُضيف القشطة قوامًا كريميًا غنيًا يذوب في الفم، ويمكن استخدام القشطة الجاهزة، أو إعداد قشطة منزلية باستخدام الحليب والنشاء وماء الزهر.

ثالثًا: التزيين والإضافات

1_ الفستق الحلبي المطحون أو المجروش:

يُستخدم الفستق الحلبي لتزيين وجه الحلاوة بعد تشكيلها، ولا يقتصر دوره على الزينة فقط، بل يُضفي نكهة غنية وقوامًا مقرمشًا يُوازن الطراوة الداخلية، ومن الجدير بالذكر أن الفستق الحلبي يُعتبر عنصرًا شهيرًا في الحلويات الشامية عمومًا.

2_ القطر (الشيرة أو الشراب السكري):

يُسكب فوق الحلاوة بعد تحضيرها، إما بكمية خفيفة أو حسب الرغبة، ويُحضَّر من السكر والماء، مع قطرات من عصير الليمون، وقد يُنكه أيضًا بماء الزهر أو الورد، حيث يضيف القطر حلاوة نهائية ويُوحد النكهات داخل الحلوى.

حلاوة الجبن

اقرأ أيضًا: الغابة الاستوائية في طرطوس

طرائف وحكايات عن حلاوة الجبن

لم تعتبر حلاوة الجبن مجرّد حلوى تُصنع في المناسبات أو تُباع في محالّ الحلويات، بل تحوّلت مع الزمن إلى رمز شعبي له حضوره في النكتة، والطرفة، وحتى في الشعر والمواقف الطريفة التي تتوارثها العائلات جيلاً بعد جيل.

فمن أشهر القصص التي تتناقلها المجالس الشامية، ما نسبه البعض إلى الشاعر الحمصي الشعبي نزار الزين، الذي كتب بيتًا شعريًا ساخرًا، صاغه على لسان حلاوة الجبن، وكأنه يجعلها تتحدث لتفضح “صراع الأصول” بين حمص ودمشق:

سألتُ الحلاوة: من أي بلد؟

فأجابتني وهي تلفّ القشطة:

أنا من حمص، لكن قلبي في الشام

كما تُروى في حمص حكاية متداولة عن أحد العرسان الذين كسروا بروتوكول الزواج بشكل طريف، ففي يوم زفافه كان الشاب يستعد لمغادرة منزل أهله للذهاب إلى صالون التجميل، لكن والدته، والتي كانت قد حضرت كمية كبيرة من حلاوة الجبن خصيصًا للمناسبة، نادته لتناول حصته قبل الانطلاق، إلا أن الشاب المُدمن على طعم الحلاوة منذ الطفولة رفض التحرك من مكانه وقال لأصدقائه مازحًا: “ليش أعرّس وقلبي فاضي من الحلاوة؟!”

وتأخر بالفعل عن حفل الزفاف نصف ساعة وسط ضحك الجميع، وتحوّلت القصة إلى طرفة تروى في العائلة حتى اليوم.

وفي بعض الأعراس السورية القديمة خصوصًا في الريف أو في حفلات الزفاف التقليدية، كان من الطقوس أن تُوزَّع الحلاوة بعد الزفة مباشرة، كمباركة للعروسين و”تحلية للحياة الجديدة.

هذه القصص والحكايات وغيرها الكثير تعكس عمق حضور حلاوة الجبن في الذاكرة السورية ليس فقط كطعام لذيذ، بل كجزء من المزاج الشعبي، وروح الدعابة، وأحيانًا من الشعر والموقف والتعبير عن الهوية والمحبّة.

حلاوة الجبن

اقرأ أيضًا: في حضرة الزهد… دير القديس سمعان العمودي كما لم تعرفه من قبل

تباين نكهات حلاوة الجبن في المدن السورية

رغم أن المكونات الأساسية واحدة، فإن طريقة تقديم حلاوة الجبن تختلف من مدينة إلى أخرى:

في حمص، تُقدَّم غالبًا باردة مع قطر خفيف وحشوة سميكة من القشطة.

في دمشق، تُقدم أحيانًا دافئة قليلًا مع لمسة إضافية من ماء الزهر.

في حلب، يتم تحميص العجينة قليلًا قبل لفّها، مما يعطيها نكهة مميزة.

وكل مدينة، بل كل عائلة، تضيف لمستها الخاصة: البعض يرش جوز الهند، والبعض يُضيف حشوة مهلبية خفيفة، وآخرون يُجربون أنواع قشطة مختلفة.

حلاوة الجبن

ختامًا، حلاوة الجبن ليست فقط واحدة من أيقونات المطبخ السوري، بل شهادة حية على عبقرية الطباخ السوري الذي استطاع أن يحوّل مكونات بسيطة إلى تجربة استثنائية. هي حكاية وطن يُحب الجمال في كل شيء—حتى في الحلويات.

.

السابق
في قلبي أنثى عبرية رواية إيمان يتنفس وجع
التالي
استمتع بحياتك لأن الحياة لا تنتظرك