في قلب الجبال الخضراء وعلى ارتفاع شاهق عن سطح البحر، يتربع “حصن سليمان في طرطوس” كأحد أقدم وأجمل المعابد الأثرية في سوريا.
يمتزج فيه عبق الحضارات القديمة مع سحر الطبيعة، ليحكي قصة آلاف السنين من الإيمان، الأسطورة، والهندسة المعمارية العجيبة.
هذا الموقع الفريد، الذي بقي شامخًا رغم تعاقب العصور، لا يُعد مجرد أطلال حجرية، بل هو شاهدٌ حي على عبقرية الإنسان القديم وروحه المتصلة بالسماء.
Contents
الموقع والتسمية
يقع حصن سليمان في طرطوس على السفوح الشمالية الغربية من جبل النبي صالح، ويُعدّ من أروع المعابد الأثرية التي ما زالت تحتفظ بهيبتها حتى اليوم.
يرتفع الموقع حوالي 750 إلى 950 متر عن سطح البحر، ويطل على وادٍ تحيط به غابات طبيعية كثيفة من أشجار الجوز والتوت والسنديان، ما يجعله أشبه بلوحة سحرية مرسومة بين الجبال.
يبعد حصن سليمان في طرطوس حوالي 20 كم عن مدينة صافيتا، و15 كم عن الدريكيش، ويقع على مسافة قريبة من مدينة مصياف.
وقد اختير موقعه بعناية، سواء من الناحية الدفاعية أو الدينية، فالمكان يجمع بين العزلة الروحية والمنظر الطبيعي الآسر.
تعود جذور الحصن إلى العصور الآرامية، وكان يُعرف في ذلك الزمن باسم “بيت خيخي” أو “بائتوسي”، وكان مكرسًا لعبادة إله العواصف والخصوبة، والذي عُرف عند الإغريق باسم زيوس.
وقد تعاقبت عليه حضارات متعددة مثل الفينيقيين، السلوقيين، ثم الرومان، الذين أعادوا بناءه وتوسيعه في القرنين الأول والثاني قبل الميلاد.
أما سبب تسميته بـ “حصن سليمان”، فيعود إلى الاعتقاد الشعبي بأن هذه الكتل الحجرية الضخمة التي بُني منها المعبد – والتي يصل وزن بعضها إلى أكثر من 70 طنًا – لا يمكن أن تكون من صنع البشر.
لذلك نُسب بناؤها إلى الجن الذين كان النبي سليمان عليه السلام يسخّرهم، وفقًا لما ورد في القصص الدينية.
ومع مرور الزمن، ترسخت هذه التسمية في الوعي المحلي وأصبحت جزءًا من هوية المكان.
اليوم، لا يُعد حصن سليمان في طرطوس مجرد موقع أثري، بل هو رمز لحضارات سكنت هذا الجبل، وخلّدت فيه حضورها من خلال معمار مهيب ونقوش ما زالت تقاوم الزمن.

اقرأ أيضًا: قلعة يحمور في طرطوس: محطة لا تُفوّت لعشاق الآثار والطبيعة
التاريخ والأهمية الأثرية
تبدأ حكاية حصن سليمان في طرطوس منذ العهد الآرامي، حين شُيّد كمعبد مخصص لعبادة الإله المحلي “بيتو خيخي” الذي ارتبط لاحقًا بإله العواصف والخصوبة “زيوس” في الثقافة اليونانية.
ومع امتداد النفوذ السلوقي ثم الروماني أعيد بناء الحرم وتوسيعه، وأصبحت المنطقة مركزًا لعبادة زيوس بعل، مما منحه شهرة دينية واسعة في منطقة غرب سوريا.
في العصر الروماني وخاصة بين القرنين الأول والثالث الميلادي شهد المعبد أعمال تطوير كبيرة، وظهرت فيه نقوش يونانية ولاتينية توثق الحقوق والامتيازات للكهنة، من بينها الإعفاء من الضرائب، أما في العهد البيزنطي فقد تحول الموقع إلى مركز مسيحي، حيث أضيفت إليه كنيسة، وهو ما يكشف عن قدرة المكان على مواكبة التحولات الدينية عبر العصور.
اللافت في حصن سليمان في طرطوس ليس فقط تاريخه، بل أيضًا هندسته، فالمكان مُقام من كتل حجرية ضخمة، يصل وزن بعضها لأكثر من 70 طنًا ومثبتة دون أي ملاط، ما يجعل زيارته تجربة تمزج بين الانبهار والأسئلة.
كيف نُقلت هذه الأحجار؟ ومن الذي أبدع هذا التخطيط المعماري؟ هذه الأسئلة هي التي دفعت العامة لإطلاق اسم “حصن سليمان”، نسبة للنبي سليمان عليه السلام، الذي ارتبط اسمه في الموروث الشعبي بتسخير الجن لبناء المعابد الضخمة.
يتكوّن حصن سليمان في طرطوس من ساحتين رئيسيتين، تحوي الأولى معبدًا ضخمًا يُصعد إليه بدرج حجري مؤلف من عشرات الدرجات، ويحيط به صف من الأعمدة الضخمة، أما الساحة الثانية فصغيرة، فيها مذابح وبقايا كنيسة بيزنطية، ونبع مقدس لا يزال حيًا حتى اليوم، ويُعتقد أنه كان جزءًا من الطقوس الدينية القديمة.
وتنبع أهمية حصن سليمان في طرطوس من كونه شاهدًا على انتقالات حضارية ودينية كبرى من الوثنية إلى المسيحية، ومن المعمار الفينيقي إلى الروماني.
كما أن موقعه الجغرافي المرتفع المحاط بالغابات والمرتفعات، جعله مكانًا مثاليًا للعبادة والعزلة الروحية في آنٍ معًا، ويُعتبر هذا الحصن من أفضل المعابد المحفوظة في منطقة حوض البحر المتوسط، إلى جانب تدمر وبعلبك.
واليوم، لا تزال نقوشه وبقايا أعمدته وسكونه المقدس، تنطق بتاريخ من الصمت والجلال، وقد أُدرج منذ عام 1958 ضمن قائمة المواقع الأثرية السورية المحمية، وهو وجهة مثالية للزوار والباحثين وكل من يريد أن يغوص في عمق التاريخ السوري العريق.

اقرأ أيضًا: جبل قاسيون.. الحارس الأبدي لدمشق
التصميم العمراني لحصن سليمان في طرطوس والتقسيمات
عند النظر إلى التصميم العام لـ حصن سليمان في طرطوس، يلفت الانتباه مدى دقة التخطيط واتساق البنية المعمارية، حيث يقوم الحصن على شكل مستطيل ضخم يمتد باتجاه الشمال–الجنوب، ويحيط به سور حجري متين مبني من كتل ضخمة يصل ارتفاعه إلى قرابة 3 أمتار، يتخلله أربع بوابات متقنة الصنع واحدة في كل جهة.
أما بالنسبة للزخارف على البوابات فهي كالنقوش التي تمثل النسور والأسود، تذكّرنا مباشرة بالمدارس المعمارية الكبرى في بعلبك وتدمر، مما يعكس تأثير العمارة الكلاسيكية على الموقع.
الحرم الكبير
في قلب حصن سليمان في طرطوس يقع الحرم الكبير، وهو المساحة الرئيسية التي كانت مخصصة للعبادة والطقوس الدينية.
ويمتد هذا الحرم على مساحة 134×85 مترًا، ويحتوي على معبد مركزي يُصعد إليه بدرج حجري مكوّن من 39 درجة.
ويقام المبنى على مصطبة عالية، ويحيط به رواق مدعّم بأعمدة ضخمة تيجانها أيونية الطراز، أما الجدران الخارجية فمبنية من حجارة مصقولة بدقة وبعضها يزيد طوله عن تسعة أمتار، مما يدل على مهارة مذهلة في تقنيات البناء القديمة.
البوابات مزخرفة والنقوش التاريخية
ما يُميز حصن سليمان في طرطوس أيضًا هو وفرة النقوش والزخارف التي تُزين مداخله.
البوابة الشمالية التي تعتبر الأهم، تتميز بعرض يزيد عن 15 مترًا وتتضمن رواقين مدهشين، في حين أن البوابات الشرقية والغربية تتماثل في تصميمها وتحتوي على لوحات حجرية مزخرفة ومحرابين.
ويُعرف النقش الشرقي بتأريخ عام 171 م، كما يظهر نقش أسدين على الجدار الشمالي يؤرخ لفترة 255 م، وتحوي أيضًا على نقوش يونانية لاتينية تؤرخ للبناء وتُوثق أسماء أباطرة وأحداث تاريخية، مما يجعل حصن سليمان في طرطوس بمثابة سجل حي لحضارات تعاقبت على أرضه.
قاعة العبادة
في الجزء الأعمق من الحرم تقع قاعة العبادة أو الهيكل، والتي تم تشييدها خلال القرن الثالث الميلادي، وتمتد القاعة على طول 50 مترًا تقريبًا وتضم أعمدة بزخارف أيونية مميزة، وتُعدّ واحدة من أكثر عناصر حصن سليمان في طرطوس دقة وتناسقًا.
الرواق الأمامي للهيكل يؤدي إلى الناوس – وهو المكان الأقدس داخل المعابد القديمة – حيث كان يوضع تمثال الإله ومذبح القرابين.
الحرم الصغير والكنيسة البيزنطية
إلى الشمال الغربي من الحرم الكبير، وعلى مسافة تقارب 60 مترًا، يوجد حرم آخر أصغر حجمًا، حيث يتكون من ساحة مربعة وأبنية صغيرة من بينها مذبح مستدير الشكل وبقايا كنيسة بيزنطية، مما يدل على استمرارية الاستخدام الديني للمكان حتى بعد التحول إلى المسيحية.
هذا القسم من حصن سليمان في طرطوس يضيف بُعدًا روحانيًا متنوعًا ويعكس التفاعل الحضاري والديني الذي شهده الموقع.
تقنيات بناء تسبق عصرها
من أبرز ما يلفت الانتباه في حصن سليمان في طرطوس هو طريقة البناء التي تجمع بين الدقة والضخامة، حيث إن الكتل الحجرية المستخدمة في تشييد الجدران والأعمدة ضخمة لدرجة يصعب تصديق أنها نُقلت وثُبتت دون استخدام أدوات متقدمة أو ملاط.
وتعرف هذه التقنية بـ”البناء الجاف”، وتُعد من أندر الأساليب المعمارية التي وصلتنا بحالة شبه مثالية، فلا عجب أن يرتبط اسم الحصن بالنبي سليمان، إذ اعتقد السكان القدماء أن الجن وحدهم هم من استطاعوا تشييد مثل هذا البناء المعجز.

اقرأ أيضًا: قلعة مصياف
إذا كنت من عشّاق التاريخ والعمارة الغامضة، فـحصن سليمان في طرطوس هو وجهتك التالية.
اكتشف أسراره، وتأمل عظمة حضارات سكنت الحجر… وخلّدت الأسطورة. لا تفوّت زيارته!










