اقرأ معنا

رواية شجرتي شجرة البرتقال الرائعة

في زوايا الأدب العالمي، قلما نجد رواية تمسكنا من أوتار القلب وتبقيها مرتجفة حتى الصفحة الأخيرة، كما تفعل رواية شجرتي شجرة البرتقال الرائعة للكاتب البرازيلي خوسيه ماورو دي فاسكونسيلوس.

هذه ليست فقط حكاية طفل صغير، بل هي مرآة تعكس وجع الطفولة حين تُسحق أحلامها البريئة تحت وطأة الفقر والقسوة وسوء الفهم.

إنها رواية تندرج تحت تصنيف “السهل الممتنع”، إذ تخاطب الطفل الذي يسكن كل واحد منا، وتعيد تشكيل الذكريات التي نحملها في أعماقنا، بألمها وفرحها، بحزنها وبراعمها الصغيرة التي قد تنمو شجرة برتقال في حديقة القلب.

عن الكاتب

ولد خوسيه ماورو دي فاسكونسيلوس في البرازيل عام 1920، وعاش حياة قاسية في طفولته، تنقل خلالها بين القرى والمدن، وعانى من الفقر مثلما عانى بطله “زيزيه”. ورغم أن الرواية مصنفة كأدب للناشئة، فإن عمقها العاطفي والإنساني يجعلها قادرة على لمس قلب كل قارئ مهما بلغ عمره. إنها عملٌ سيري بامتياز، حيث استلهم الكاتب تفاصيل كثيرة من حياته الخاصة، وأعاد تشكيلها في قالب أدبي حميمي يمزج بين السرد البسيط والوجع العميق.

زيزيه

بطل الرواية هو الطفل الصغير زيزيه، الذي لم يتجاوز عمره الخمس سنوات، طفل ذكي، ذو خيال خصب، يحاول أن يروض قسوة العالم ببراءته وابتسامته وأكاذيبه الصغيرة، زيزيه ليس مجرد طفل مشاغب، بل هو رمز للطفولة المهمشة التي تُعاقب بدل أن تُحتَضن، ويُساء فهمها بدل أن تُفهم.

زيزيه يقول في أحد المقاطع: “أحيانًا، أتظاهر بأنني شرير جدًا، لكن في داخلي هناك قلب يتألم كثيرًا.”هذه الجملة وحدها تختصر مأساته،طفل يرى العالم من خلال عينيه الصغيرتين، لكنه يدرك من الحزن ما لا يليق بعمره، ويكابد من الألم ما يتخطى احتماله.

شجرة البرتقال الصديقة الوحيدة

شجرة البرتقال، وتحديدًا مينغينيو، ليست مجرد شجرة، إنها الحاضن العاطفي الوحيد لزيزيه، كائن يتكلم معه، يستمع إلى شكواه، يمسح دموعه ويشاركه في أحلامه، في مشهد لا يُنسى، يحادث زيزيه شجرته: “أنتِ الوحيدة التي لا تضربني… أنتِ الوحيدة التي تفهمني.”

في عالم لا يعرف سوى الضرب والصراخ والاتهامات، تصبح الشجرة الخيالية هي المهرب الوحيد، الملجأ الروحي الذي يحفظ ما تبقى من كرامة الطفولة.

العائلة و جفاف العاطفة

الرواية تُقدِّم نقدًا قاسيًا لبنية العائلة في ظل الفقر، الأب عاطل عن العمل، متجهم، سريع الغضب ، الأم مستسلمة للواقع، مرهقة، تعجز عن احتواء أولادها، الأخوة متورطون في عالمهم، لا وقت لديهم لزيزيه، ومن بين كل أفراد الأسرة، لا يجد الطفل أي حضن يلجأ إليه، سوى شجرة برتقال، وسائق عجوز يدعى مانويل ڤالادايس، يصبح لاحقًا صديقه الوحيد وملهمه.

فالادايس

مانويل ڤالادايس يمثل الوجه الآخر للعالم، وجهًا لا يزال يحتفظ ببعض الإنسانية، هو الرجل الذي يرى في زيزيه شيئًا مميزًا، يعامله باحترام، يُنصت له، ويقدّم له الحنان دون شروط ، من خلاله، يكتشف الطفل طعم الحنان الحقيقي، ذلك الذي لا يأتي من الدم، بل من الروح، وعندما يُفجع زيزيه برحيله، تنكسر داخله كل طفولة متبقية، وتبدأ رحلة ألم جديدة بلا شفاء.

اللغة والأسلوب

أجمل ما يميز هذه الرواية هو أسلوبها ، فالكاتب يستخدم لغة بسيطة، ناعمة، أقرب إلى الحديث الداخلي، لكنها تخبئ وراء كل كلمة طوفانًا من المشاعر ، لا مكان للتكلف أو الزخرفة البلاغية، بل هناك صدق عارٍ يصل إلى القلب دون مقدمات ، الحوارات واقعية، والمونولوجات العاطفية موجعة، والانتقال بين المشاهد يتم بانسيابية تجعلك لا تشعر بالزمن.

الرمز والدلالة

الرواية لا تحكي عن زيزيه وحده، بل هي حكاية رمزية عن كل طفل يعاني الإهمال، عن الطفولة المنسية في زوايا الحياة ، شجرة البرتقال رمز للأمل، للخيال، للمكان الوحيد الذي لا يمكن لأحد أن ينتزعه منه، فالادايس رمز للرحمة، الأب الغائب عن الصورة، الأب الحقيقي رمز للسلطة المهترئة، والمجتمع الخلفية الرمادية التي تبتلع الأحلام دون أن تهتم.

الألم كقوة دافعة

من يقرأ الرواية يشعر بثقل الحزن، لكن المدهش هو كيف يتحول هذا الحزن إلى قوة. فزيزيه، رغم كل ما مر به، يُبقي على ضوء صغير في قلبه، وهذه نقطة محورية في الرواية: أنها لا تدعو إلى الشفقة، بل إلى الفهم، لا تُمجِّد الوجع، بل تضعه في سياقه الإنساني، في لحظة معينة، يواجه زيزيه الحقيقة الأشد قسوة: أن العالم لا يتوقف لينقذ قلب طفل، وعليه أن يتعلم النجاة بوسائله الخاصة.

تأثير الرواية وانتشارها

منذ صدورها عام 1968، تُرجمت الرواية إلى أكثر من 20 لغة، وأصبحت جزءًا من المناهج الدراسية في بعض الدول، كما تحولت إلى مسلسل تلفزيوني وفيلم، لكن قوتها الحقيقة تكمن في قدرتها على البقاء حيّة في ذاكرة من قرأها ، لأنها لا تُنسى ، بل تترك أثرًا يشبه وخز الإبرة في القلب، لا يُرى، لكنه يُحس لسنوات طويلة.

تحليل نفسي للطفل

من الناحية النفسية، تُظهر الرواية كيف يمكن أن تتحول الطفولة إلى ساحة معركة يتقاتل فيها الكبار، ويكون الطفل هو الضحية الصامتة، زيزيه مثال حيّ على الطفل الذي يُسيء الكبار فهمه، فيُفسرون ذكاءه على أنه شغب، واحتياجه العاطفي على أنه تمثيل ، الرواية تطرح أسئلة كبيرة: لماذا نُعاقب الطفل بدل أن نحتضنه؟ لماذا نخجل من احتضان من يحتاجنا؟ أين يذهب كل هذا الألم إن لم يجد منفذًا؟ الجواب المؤلم هو: “يظل في الداخل، ينمو كوحش صغير”.

اقتباسات

1.”أعتقد أني وُلدتُ لأكون شاعراً… أشياء كثيرة تؤلمني دون أن أعرف السبب.”

2.”عندما نكتشف في وقت مبكر جدًا قسوة الحياة، نصبح عجائز قبل الأوان.”

3.”أنا لست شريرًا، فقط… لا أحد يحبني، ولهذا أفعل أشياء سيئة.”

4.”أنتِ الوحيدة يا شجرتي التي لا تضربني.”

5.”كل ما أردته هو أن يحبني أحدهم، فقط يحبني، دون أن يصرخ أو يضرب أو يتهمني بأني سيء.”

6.”لم أعد أستطيع الحلم، فالعالم خطف مني حتى الخيال.”

7.”أحيانًا أحتاج فقط إلى من يسمعني دون أن يقول: اصمت.”

8.”الحياة لا تعطينا وقتًا كثيرًا لنكون أطفالًا.”

9.”لماذا يموت الذين نحبهم أكثر؟ لماذا لا يأخذ الله الناس السيئين؟”

10.”لا أحد يرى الدموع التي تسقط في الداخل.”

11.”إذا كان هذا هو معنى أن تكبر، فأنا لا أريد أن أكبر أبدًا.”

12.”كل شيء تغير بعد موت فالادايس… حتى قلبي لم يعد كما كان.”

13.”إنني أصنع أشياء كثيرة في رأسي، فقط لأنني لا أستطيع احتمال أشياء كثيرة في الواقع.”

14.”حين يكون العالم قاسيًا، يصبح الخيال هو البيت الوحيد الآمن.”

15.”ليس من العدل أن يشعر الطفل بكل هذا الألم ولا أحد يلاحظ.”

كل اقتباس من هذه يحمل أبعادًا نفسية وفلسفية أعمق من ظاهرها، ويعكس عبقرية الكاتب في تصوير الأحاسيس دون ضجيج.

اقرأ أيضًا : غربة الياسمين: الغربة بين الهوية والانتماء

اقرأ أيضًا : أبيض ياسمين ،أسود قدر .

اقرأ أيضًا: نهاية رجل شجاع ، حكاية نضال مؤلم .

بين الطفولة والذاكرة

شجرتي شجرة البرتقال الرائعة ليست مجرد حكاية عن طفل يتألم، بل هي مرآة نرى فيها نحن الكبار كيف فشلنا – كأفراد ومجتمعات – في حماية الأضعف بيننا، الرواية تطرق أبواب الذاكرة والضمير، وتُطالبنا بأن نكون أكثر رحمة، أكثر حنانًا، أن نصغي لا أن نحكم، أن نحتضن لا أن نعاقب.

في النهاية، تبقى كلمات زيزيه هي الأصدق:”أنا لا أريد شيئًا كثيرًا من هذا العالم… فقط أحد يفهمني.”وهذا كل ما يريده كل طفل على وجه الأرض.

اقرأ أيضًا: زوجات ضائعات المرأة والخيانة

السابق
مغارة موسى بلودان… حكاية من ضوء وصخر وجمال
التالي
يوم العلم الأردني