اقرأ معنا

إلى حبيبين مرآة الزواج بين النضج والحب

في خضم صخب الحياة، وضياع البدايات الجميلة في دوامات الواجبات والخلافات الصغيرة، يأتي كتاب “إلى حبيبين” للكاتب كريم الشاذلي كمحاولة صادقة لإعادة تعريف معنى العلاقة الزوجية، والعبور بها من سطح الطقوس إلى عمق المعنى.

هذا الكتاب ليس مجرد نصائح تقليدية تُلقى كيفما اتفق، بل هو أقرب إلى جلسة حوار هادئة بين زوجين تائهين يبحثان عن نقطة التقاء.

بأسلوبه السلس، وعباراته التي تمس القلب، يكتب كريم الشاذلي بلغة محبّة، تستفز في القارئ ذاك الشعور الذي ربما خبأه الزمن أو خنقته المشاكل.

الكتاب موجَّه إلى كل زوجين،إلى كل من اختبر الحب في البدايات ثم تاه عنه في متاهة المسؤوليات إلى من يتساءل: أين ذهب الشغف؟ وكيف نعيد دفء العاطفة؟ إلى من يظن أن الزواج “قدر لا مفر منه”، ويحتاج إلى من يوقظه بلطف ليقول له: الزواج نعمة، لكنه يحتاج أن تُسقى كل يوم.

الحكاية

يبدأ الكتاب بسرد قصة حقيقية لزوجين شابين في بداية حياتهما، تكررت بين مئات البيوت. قصة حب، ثم زواج، ثم حياة يومية تتآكل فيها العاطفة.

لا يدين الكاتب أحدًا، بل يقدم نموذجًا يُشبه كل القراء.يقول في إحدى صفحاته: “الزواج مشروع حب، إذا فشل الحب فيه، فلا معنى للاستمرار.”

بهذه الجملة الموجعة، يضع كريم الشاذلي النقطة الأولى في سطر وعي جديد، فالحب ليس ترفًا في الزواج، بل هو عماده الأول.

اقرأ أيضا : غربة الياسمين: الغربة بين الهوية والانتماء

نقاط القوة

ما يميز الكتاب أنه لا يعرض المشاكل فقط، بل يقدم حلولًا واقعية، يطرح فكرة أن التفاهم لا يأتي صدفة، بل هو نتيجة جهد ووعي، وأن الحوار ليس ترفًا ثقافيًا بل ضرورة حياتية.

من أجمل ما قال:”الزواج مؤسسة تحتاج إلى صيانة دورية. تحتاج إلى جلسة كل فترة نسأل فيها: هل ما زلت سعيدًا معي؟”هذه الجملة وحدها كفيلة بأن تُعيد دفء البيوت التي بردت فيها المشاعر.

أسلوب الشاذلي

كريم الشاذلي يمتلك قدرة نادرة على الجمع بين البساطة والعمق. يستخدم كلمات سهلة، لكنها لا تمر مرور الكرام ،في كل فصل، يطرح فكرة واحدة، ويكررها من زوايا متعددة، ليتركها تترسخ في عقل القارئ وقلبه.

لا يستخدم المصطلحات النفسية المعقدة، بل يكتب كما يتحدث الناس.

جُملًا لا تُنسى

1.”حينما تفقد المرأة قدرتها على البكاء أمام زوجها، فإن قلبها بدأ يبتعد.”

2.”الرجولة ليست في رفع الصوت، بل في القدرة على احتواء امرأة مجروحة.”

رغم أن الكتاب غني بالمواقف والنصائح، إلا أن بعض القضايا الكبرى في العلاقات الزوجية مرت بسرعة ،كأن الكاتب تعمّد ألا يفتح جراحًا كبيرة، وفضّل التركيز على الجوانب الوجدانية.

كان من الممكن أن يتوسّع أكثر في موضوع الخيانة، أو علاقة الأهل بالحياة الزوجية، أو كيف يتعامل الزوجان مع الأزمات الكبرى مثل المرض أو الفقد.

لكن في المقابل، قد يكون هذا التركيز المقصود على الجوانب العاطفية هو ما جعل الكتاب مميزًا ،فالقارئ يبحث أحيانًا عن بلسم، لا عن تقارير تحليلية.

اقتباسات

1.”المرأة لا تحتاج إلى قصور، بل إلى حضن صادق.”

2.”العتاب حب، فاحذر أن يعتاد الصمت.”

3.”أخطر ما يهدد الزواج ليس الخلاف، بل التبلد.”

هذه العبارات ليست مجرد كلمات منمقة، بل تحمل وراءها تجارب آلاف الأزواج الذين مرّوا من عتبة الحب إلى دهاليز الفتور، ثم عادوا ليبحثوا عن طريق الرجوع.

الحب والتقدير

في كتاب “إلى حبيبين”، يتوقف الشاذلي طويلاً عند حاجات كل من الرجل والمرأة. لا باعتبارهما كائنين متعارضين، بل شريكين مختلفين، لكلٍّ منهما لغة خاصة في الحب، وطريقة فريدة في التعبير والتلقي.

فالرجل، كما يشير الكاتب، يريد الاحترام والتقدير، يريد أن يشعر أن زوجته تراه كبيرًا في عينها، حتى وإن كان صغيرًا في عيون الآخرين، لا يهمه الثناء الصاخب بقدر ما يهمه الشعور بأنه موضع ثقة.

بينما المرأة، في أعماقها، تبحث عن الأمان والاحتواء، أن تشعر أن هناك من يفهم خوفها حتى دون أن تنطقه ،أن يغفر انفعالاتها، ويتحمّل دموعها، ولا يحاسبها بقسوة عندما تضيع.

كتب الشاذلي:”الرجل يحب بعقله، والمرأة تحب بقلبها. ولكن الزواج الناجح لا يقوم إلا عندما يختار العقل أن يحمي القلب، ويتفق الاثنان على العيش بصدق.”عبارة بسيطة.. لكنها تختصر الكثير من الصراعات التي تدور في الظل.

اقرأ أيضا :الحب في العلاقات الزوجية رحلة قلوب

طقوس تُحيي الزواج

ينبّه الكاتب إلى أهمية التفاصيل الصغيرة، فتلك التي نراها “تافهة”، قد تكون الفارق بين بيت بارد وآخر دافئ.

فأن تقول “صباح الخير” بابتسامة،أن تُحضر كوبًا من الشاي دون أن يُطلب ،أن تضع يدك على كتف من تحب حين يكون متعبًا ،كلها أفعال تُبقي الحياة ممكنة.

“الزواج لا يُنهك من الخيانات الكبرى، بل من تجاهل التفاصيل اليومية.”هذا الاقتباس يلخّص رؤية الشاذلي العاطفية العميقة. فالمشاكل لا تأتي غالبًا من مصائب مفاجئة، بل من غياب يومي للحنان، واختفاء تدريجي للمبادرة.

الزواج إلى منافسة

أحد أكثر المواضيع التي عالجها الكاتب بذكاء، هو حين تصبح العلاقة الزوجية ساحة تنافس غير معلن ،من يضحّي أكثر؟ من يتنازل؟ من يتكلم أولًا؟ من يُظهر مشاعره ومن يكتمها ؟في مثل هذه الحالة، كما يقول الشاذلي، يخسر الاثنان.”

حين يبدأ كل طرف في عدّ تضحياته، فذلك إيذان بانتهاء مرحلة الحب وبداية مرحلة المحاسبة.”العلاقة ليست دفتر حسابات ،ليست مَن خسر ومَن ربح، بل من بقي ومن هرب.

وفي حديثه عن الغضب، يؤكد الكاتب أن الزعل لا يُحلّ بالصمت القاسي، بل بالحوار الهادئ. وأن “الكرامة الزوجية” لا يجب أن تُفهم على أنها الامتناع عن المبادرة، بل القدرة على التقدم خطوة للحفاظ على البيت.

الرسائل

من أجمل ما يميز “إلى حبيبين”، هو أن كل فصل فيه يُشبه رسالة قصيرة، قد تكون موجّهة إليك دون أن تدري.

تشعر وأنت تقرأ، أن الكاتب يكتب لك شخصيًا. وكأنك تجلس قبالته، ويقول لك بصوته الهادئ: “افهم شريكك، لا تحكم عليه بسرعة، لا تتوقع أن يراك وأنت مختفٍ خلف جدران الصمت.”

“أحيانًا، لا يريد الزوج أو الزوجة حلًا ، فقط يريد من يسمعه دون أن يقاطعه، أو ينصحه، أو يلومه.”

وهنا تكمن روعة النص ،في تذكيرنا أن أغلبنا لا يفتقر إلى الحب، بل إلى الفهم.

الواقع

الجميل أيضًا أن الشاذلي لا يروّج لصورة مثالية مزيّفة لا يدّعي أن الزواج جنة، أو أن المشاعر تبقى دائمًا في أوجها.

بل يعترف بوضوح أن هناك لحظات تعب، ومراحل فتور، وصراعات قد تمتد ، لكن الفارق يكمن في الإرادة ،في الرغبة بالاستمرار، والقدرة على التعافي، وعدم اتخاذ الخلافات ذريعة للهروب.

يقول:”كل زوجين يختلفان، لكن العاقل منهما هو من يختار أن يختلف دون أن يجرح.”يا لها من عبارة عميقة، تعلمنا أن النزاع يمكن أن يكون حضاريًا ، أن الاختلاف لا يعني الإهانة، بل اختبار للرحمة.

بعد قراءة الكتاب، يجد القارئ نفسه أمام سؤال جوهري:هل ما زلت أعرف من يعيش معي؟

هل تحدثت إليه مؤخرًا لا كزوج، بل كرفيق؟

هل أنصتتُ له حين اشتكى؟

هل قلت له: “أنا فخور بك”، أو “أنا ممتنة لك”، أو “أنا أحبك”؟

“إلى حبيبين” ليس مجرد كتاب، بل جرس تنبيه.أن ننتبه.أن نُعيد النظر.أن نُراجع أنفسنا قبل أن نُراجع الطرف الآخر.

لماذا نقرأ الكتاب

لأننا بحاجة إلى التذكير،لأننا ننسى أن الشخص الذي ينام بجوارنا كل ليلة، كان في يومٍ ما كل العالم ،لأن الزواج الناجح لا يُبنى على النية الطيبة فقط، بل على فهم، وصبر، وتجديد دائم للحب.

كريم الشاذلي لا يدّعي أنه يملك الحلول السحرية، لكنه يفتح لنا نوافذ نطلّ منها على ذواتنا، يدعونا لنُعيد النظر في ممارسات صغيرة، لكنها تصنع فرقًا كبيرًا.

“إلى حبيبين” هو كتاب عاطفي، صادق، دافئ. يصلح أن يُقرأ على مهل، وأن يُعاد قراءته كلما شعرت أن العلاقة بدأت تبرد.

هو ليس دليلًا أكاديميًا، لكنه مرآة ،مرآة نظيفة تعكس صورتنا كأزواج وزوجات ،فإذا رأينا في المرآة تعبًا أو شحوبًا، عرفنا أن الوقت قد حان لبدء الترميم من جديد.

التقييم النهائي

:اسم الكتاب: إلى حبيبين

اسم الكاتب: كريم الشاذلي

عدد الصفحات: 225 صفحة

تقييم النجوم: ⭐⭐⭐ من 5

الفئة المناسبة: للمتزوجين حديثًا، أو كل من يريد استعادة وهج العلاقة

الموضوع: العلاقات الزوجية، الحب، النضج، الاحتواء

السابق
خان أسعد باشا العظم دمشق… محطة في التاريخ السوري
التالي
حمام النحاسين حلب تحفة عمرانية في قلب المدينة العتيقة