اقرأ معنا

أبناء القلعة: ملحمة أدبية1 .

مقدمة

تبقى بعض الروايات راسخة في الذاكرة، ليس فقط لأنها عمل أدبي رائع، بل لأنها تعبّر عن واقعٍ نعيشه أو تاريخٍ يخصّنا أو مشاعر تمسّ أرواحنا.

ومن بين هذه الروايات التي تستحق مكانة مرموقة في الأدب الأردني والعربي، تأتي رواية “أبناء القلعة” للكاتب الأردني الراحل زياد قاسم، التي تعدّ واحدة من أروع الروايات التي سلطت الضوء على التاريخ الاجتماعي والسياسي للأردن خلال منتصف القرن العشرين.

هذه الرواية ليست مجرّد حكاية عن شخصيات متخيلة، بل هي توثيق دقيق لفترة زمنية مفصلية في تاريخ البلاد، حيث تداخلت الأحداث السياسية والاجتماعية، وانعكست على الأفراد والعائلات والأحياء الشعبية في عمّان، وخاصة في منطقة القلعة، التي كانت شاهدة على تغيّرات كبيرة.

اقرأ أيضًا : مراجعة رواية اسمه أحمد .

قراءة في الرواية

رواية رائعة جدًا، رواية بديعة تستحق القراءة، منذ زمن لم تجذبني رواية كما فعلت أبناء القلعة لكاتبها زياد قاسم. واقعنا المرير كله هنا: آلامنا، أحزاننا، دموعنا، فرقتنا ووحدتنا. رواية تحدثت عن الوطن والمرأة، عن الخيانة والوفاء، تحدثت عن الحزبية والقومية، عن البعثية والاشتراكية.

رواية تطرقت إلى كل جوانب الحياة، التفاصيل فيها مذهلة، الحبكة والشخصيات والزمان والمكان كله على أتم وجه. رواية لم تأخذ حقها أنصح الجميع بها. لكن يجب التنويه بأن من ليس له نفس طويل بالقراءة لن يكملها، ومن يبدأ بها لن يندم.

الشخصيات والمحاور الرئيسية

تدور أحداث الرواية في مدينة عمان، وتحديدًا في القلعة، حيث تتشابك حياة شخصيات متعددة، لكل منها قصتها الخاصة التي تأخذ القارئ في رحلة فريدة إلى عالمها. من بين هذه الشخصيات:

فوزية: الأم التي لم تلد، لكنها ربت وأعطت بلا مقابل، ورمز العطاء والثبات. بدأت الرواية بها وانتهت بها، وكأنها العمود الفقري للأحداث، والشخصية التي تجسد الأمومة الحقيقية حتى في غياب الإنجاب.

شمس الدين، فخري، مالك وأمه، أنور وخالد، حران وعواد، عمران وإنطوان، فارس ونايف: كل واحد من هؤلاء يحمل قصة إنسانية تتداخل مع الواقع الأردني، وتبرز تأثير التغيرات السياسية والاجتماعية عليهم.

عوض الله: الشخصية التي جسدت دور الأمل وجبر القلوب، كما تمثل ذلك في زوجة عواد التي كانت رمزًا للحب والإيثار.

تحدث الكاتب عن فلسطين الأبية وكيف هُجرت العائلات الفلسطينية من بيوتها. لطالما كانت الأردن وفلسطين قلبًا واحدًا، ومهما حدث ستبقى كذلك.

هنا في هذه الرواية تحدث زياد قاسم عن تعريب الجيش وسقوط حلف بغداد، عن النكبة والنزوح وهذه الأحداث لم تكن مجرد خلفية للأحداث، بل كانت جوهرية في تشكيل مصير الشخصيات وتطورها ، تحدث عن الشوق إلى الفرح، والشوق إلى الحياة بعد الألم.

من يقرأ “أبناء القلعة” يشعر أن عمان ليست مجرد مسرح للأحداث، بل هي جزء من القصة، بل بطلٌ مستقل بحد ذاته. الكاتـب رسم صورة حية للمدينة كما كانت في منتصف القرن العشرين، بأحيائها، أزقتها، ناسها، وصراعاتها الاجتماعية والسياسية.

القلعة تحديدًا كانت محور الأحداث، حيث تجمعت فيها قصص العائلات والشخصيات التي عكست المجتمع الأردني آنذاك.

هنا كانت عمان.

هنا القلعة.

هنا أبناء القلعة.

أسلوب زياد قاسم وعبقريته الروائية

ما يميز الرواية ليس فقط موضوعها أو شخصياتها، بل الطريقة التي سرد بها زياد قاسم الحكاية. الأسلوب السردي كان متماسكًا، مليئًا بالتفاصيل الدقيقة التي تجعل القارئ يتخيل كل مشهد بوضوح.

الشخصيات لم تكن نمطية، بل كانت معقدة ومتطورة، لكل منها دوافعها وأفكارها وصراعاتها الداخلية.الحوار في الرواية جاء طبيعيًا، يعكس اختلاف الطبقات الاجتماعية والأيديولوجيات السياسية، مما أضفى واقعية مذهلة على السرد.

كما أن الكاتب استخدم السرد الوصفي بدقة متناهية، مما جعل الأماكن والشخصيات تنبض بالحياة أمام القارئ.

اقرأ أيضًا: “مكتبة منتصف الليل: عندما تمنحك الحياة فرصة ثانية”

نهاية الرواية

رغم أن القصة حملت في طياتها لحظات من الأمل والحب والتضحية، إلا أن النهاية جاءت مؤلمة، وكأنها رسالة من الكاتب بأن الشقاء قد يلاحق الإنسان منذ الطفولة حتى آخر لحظة في حياته. النهاية لم تكن مفتوحة، لكنها حملت واقعية قاسية تعكس حقيقة الحياة، خاصة في ظل الظروف التي عاشها أبناء القلعة.

لماذا يجب قراءة “أبناء القلعة”

هذه الرواية ليست فقط سردًا أدبيًا ممتعًا، بل هي توثيق لتاريخ الأردن من خلال شخصياته البسيطة، حيث جمع زياد قاسم بين الأدب والتاريخ بطريقة نادرة.

رغم أن الرواية لم تحظَ بالانتشار الذي تستحقه، إلا أنها تستحق أن تكون من أهم الروايات العربية، خاصة لمن يهتم بالتاريخ السياسي والاجتماعي للأردن وفلسطين.”أبناء القلعة” ليست مجرد رواية، بل ملحمة إنسانية ووطنية تعكس معاناة الناس، تقلبات السياسة، تأثير النزاعات على الأفراد، والصراعات الداخلية التي يخوضها كل شخص في سبيل البقاء.

هي رواية توثق لحظة مفصلية من تاريخ المنطقة، وتستحق أن تُقرأ بتمعّن، لأنها ليست فقط قصة شخصيات خيالية، بل قصة أمة بأكملها.إذا كنت من عشاق الروايات العميقة التي تترك أثرًا لا يُمحى في الذاكرة، فإن “أبناء القلعة” هي بلا شك واحدة من تلك الأعمال الأدبية التي لن تُنسى بسهولة. خمس نجمات بلا منازع!

اقتباسات

“الثورة ليست مجرد ضغطة على الزناد. الثورة التي لا عقيدة لها هي ثورة خاسرة، لأنها ستفتقر إلى الإيمان. الثورة من غير إيمان تتحول إلى عصابة للتنكيل والقتل والارتزاق. القتل دون إيمان ليس نضالاً ثورياً، إنه اغتيال. الاغتيال إفلاس سياسي. الاغتيال إرهاب.”

“في غياب العقيدة، فإن الجماهير يا رفيق جورج قطيع حيواني مهيأ للطاعة، لا ينقذ الجماهير إلا الإيمان. لا يأتي الإيمان من غير عقيدة. العقيدة وحدها هي التي تصقل إرادة الجماهير وتنظم قدراتها وتوجهاتها. هي التي تحد من انحراف القائد وضياع الجماهير.”

“العربي لا يندمل له جرح، العربي لا بد أن يثأر.”

“كل الأمور تنتهي لمصلحة الغني، سواء أتمت عن وعي منه أم دون وعي.”

“القراءة وحدها تحمي الكتابة. إنها شط الأمان. سفينة القراصنة لا يغرقها إلا القراء. القراءة أكثر طهارة ونقاء وصفاء من أي نشاط إنساني آخر.”

“الحق دائماً على من يضحي. الحق دائماً مقهور، لو كان الحق غلاباً لما استمر الباطل حتى الآن. أما لماذا؟ فلأن الحق صعب لا يستطيعه إلا القليل، بينما الباطل سهل يستطيعه الجميع. الحق سمو متواضع، أما الباطل فهو أرضي مترفع.”

“أي جنون هذا الذي يفجر قهر الإنسان، ويدفعه إلى الموت رغبة في الحياة. أي ثأر هذا الذي يحيا في قلب العربي مهما طال الصمت وطالت السنين.”

“واتسعت السماء أكثر، وامتدت البلاد أكثر فأكثر، وطارت العصافير في اتساع الفضاء، وعلا الصخب والضجيج، فما زال التاريخ مستيقظاً في القلعة.”

“أي إرادة مجنونة هذه التي يصبح فيها الموت هو الحياة.. أي ارتقاء هذا الذي يقدم الفرد فيه عمره مختاراً في سبيل ارتقاء النوع وبقائه.”

“كانت تدرك أن الإنسان يحتاج في أحيان كثيرة إلى من يقول له ما يحب أن يسمعه.”

“يعيش الظالم مرعوباً من قصاصة ورقة.”

“الكاتب الذي يرضي الآخرين ويغضب نفسه ليس كاتباً. إنه مرتزق.”

هذه الاقتباسات تعكس عمق الأفكار والمشاعر التي تناولها زياد قاسم في روايته، مسلطًا الضوء على قضايا الثورة، الإيمان، الظلم، والقراءة.

اقرأ أيضا : قراءة 1 في “أرض النفاق” .

السابق
عيد القوزلة: طقوس متجذّرة في تراث الساحل السوري
التالي
تاريخ شارع المعز لدين الله الفاطمي