اقرأ معنا

الشياطين حين تتحول إلى أفكار وبشر

الشياطين

يبدأ دوستويفسكي بسرد بعض التفاصيل متخذا منها مدخلا لرواية الشياطين الشاقة والطويلة والمليئة بالشخصيات والأحداث .

أعجوبة الفن الروائي هو دوستويفسكي ، ورُبَ كاتب من كتاب الروايات يجد في التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي سادت روسيا القيصرية في ذلك الزمان ضالته المنشودة لابداع آثار أدبية خالدة ومتميزة .

ذاك المجتمع الروسي بتقاليده و تحولاته وتركيبته الذي لو أريد به أن يكون عالماً من العوالم الفانتازية لما جاء بهذا الشكل الملائم لانتاج الأدب الفخم الذي ما زلنا نستمتع به الى يومنا هذا .

اذن تضافرت الموهبة الروائية العظيمة التي يتمتع بها دوستويفسكي مع اعصار الظروف الاجتماعية والسياسية الذي كان يعصف بروسيا في ذلك الزمان ليكون الناتج عملاً روائيأ رهيباً .

لن أطيل الحديث عن الجوانب السيكلوجية او عن المقدرة على التحليل النفسي والنفاذ السكولوجي فالجميع يشهد لكاتبنا انه الأفضل عبر كل العصور في هذه الجوانب ولكني سأسلط الضوء على أمور أخرى برع فيها دوستويفسكي في هذه الرواية .

– الوصف التفصيلي لدى دوستيوفسكي لتعابير الوجوه وتغيرها حسب المواقف واعادته لوصف هذه الوجوه مع مرور السنين والتغير الذي يطرأ على ملامح شخصياته قل نظيره عند كتاب آخرين .

– عبقريته في تصنيف النماذج البشرية وتوقع سلوك كل شخصية حسب النموذج الخاص بها وتجسيده لطباع الشخصيات وتوظيفه للحالة النفسية في نقاشات عامة ( أثر الحالة النفسية على سلوك الشخصية ) .

– اسقاطاته التي لا حصر لها على الواقع الروسي دون تنفير القارئ من هذه الاسقاطات (قارئ ذلك الزمان وقراء أزمنة لاحقة ومجتمعات مختلفة ) .

– مقدرته على استغلال كل التفاصيل من نظرات وابتسامات وحتى التشنجات الجسدية في مساعدة القارئ على فهم المشاهد والمواقف ، وفي أغلب ظني انه لو قدر على سبيل الخيال للقارئ ان يكون حاضرا لأحد تلك المشاهد بشكل شخصي فلن يتمكن من الاحاطة بالاحداث بنفس الطريقة التي يحيط بها من خلال قرائته للمشهد عبر وصف دوستويفسكي المتخيل له .

– استباقه الدائم لاحداث الرواية وحرقه لها ليمكن القارئ من رصد ما يريد له ان يرصده بعيداً عن وقع المفاجآت وهذا لعمري ابداع روائي قل نظيره .

– في أغلب روايات دوستويفسكي هناك ذلك المشهد العاصف الذي يجتمع فيه أبطال العمل ليكون منطلقاً للمسارات والأحداث ويشكل ذلك المشهد على الأغلب ذروة الرواية ويكون قمة في الابداع الدرامي .

دعك من اسلوب دوستويفسكي فهو غني عن الاطراء والمديح ولنعود للحديث عن الرواية وظروفها المكانية والزمانية ففي تلك الحقبة من التاريخ الروسي الذي عايشها الكاتب كان قد تشكل المنعرج الهام في تاريخ العالم الحديث وهو بوادر ظهور الاشتراكية الأممية والتي وجدت في الامة الروسية فيما بعد الحاضنة المثلى لتلك الأفكار والمبادئ .

كانت تسود حالة من التوتر في كل طبقات المجتمع ، ولو اننا أخدنا بتحليل ذلك المجتمع لوجدنا قبل كل شئ حالة من القلق يسودها شعور بالخطر وفي تلك الأجواء المشحونة انما تظهر تلك الشياطين التي حدثنا عنها دوستويفسكي .

انه الصراع بين الركود والثورة ، بين الاستقرار والتغيير وهو صراع دائم ومستمر .

” انه لعصر عجيب ذلك العصر ! … ان شيئاً جديدا يهم أن يولد ، شيئاً لا شبه بينه وبين الهدوء القديم ، شيئاً غريباً كل الغرابة ، ولكن الناس يستنشقونه في كل مكان ” .

في مثل ذلك العصر لا عجب أن تلتهم الأفكار البشر ، وان يظهر أمثال بطرس ستيفانوفش ونيقولاي فيسفولوفتش وان يكونوا في قمة جنونهم وان يكون لهذا الجنون كل هذا العدد من الضحايا الأبرياء .

فمع هذا أيها السادة ، ألا ترون أن هذه الثرثرة الروسية القديمة ،الذكية هذا الذكاء ، الفتانة هذه الفتنة ما نزال نسمع صداها في آذاننا الى يومنا هذا في كثير من الاحيان .

ثم ماذا ؟

” ليس للجنون الانساني حدود ” .

اقرأ أيضا : المقامر-الضعف إلى قدر

اقتباسات من رواية الشياطيين

  • فكلما كانت حياة الإنسان شاقة أليمة، وكلما كان الشعب مضطهدًا يائسًا، كان أكثر استرسالًا في أحلام المكافآت التي سيلقاها في الجنة .
  • إذا أردت أن تنتصر على العالم بكامله، فانتصر على نفسك .
  •  آه يا أصدقائي! انكم لا تستطيعون أن تتخيلوا مدى الألم والحنق اللذان يغزوان نفوسكم حين تعبرون عن فكرة عظيمة قدستموها طوال حياتكم، فإذا بأفراد جهلة يجرونها على أرض الشارع وسط أناس لا يقلون عنهم غباء وحماقة، ثم إذا انتم ترونها فجأة في السوق وقد تغيرت سحنتها حتى لا تكاد تعرف، وتمرغت في الوحل وتشوهت وتكسرت، وتغيرت أبعادها وفقدت انسجامها، كلعبة بين أيدي الأطفال.
  • صدق الذين زعموا إذن أن النصف الثاني من عمر الإنسان إنما تحدده العادات التي يكون قد اكتسبها خلال النصف الأول.
  • إن الحقيقة الصادقة دائما تكون غير قابلة أن تصدق، فإن شئت أن تجعل الحقيقة قابلة أن تصدق عليك أن تضيف إليها شيئًا من الكذب .
  • الشياطين هم هؤلاء الذين يتصارعون على الوطن وليس من أجله.
  •  حياة تمضي، وأخرى تبدأ، ثم تمضي الثانية لتحل محلها ثالثة… وهكذا دواليك إلى غير نهاية. النهايات كلها تشبه أن تكون مقطوعة بمقص. هذا كلام معاد مكرر أقوله لك. ولكن ما أصدق ما يعبر عنه.
  • فهكذا كان يصر أشدّ الإصرار على أن يحتفظ لنفسه بحالة إنسان “مضطهد” أو إنسان “منفي” بمعنى من المعاني. إن في هاتين الكلمتين الصغيرتين جمالاً كلاسيكياً قد فتن لبّه .
  • إن الفضل في نجاح الاشتراكية يرجع أكثره إلى الناحية العاطفية.
     
     اقرأ أيضا : “الجريمة والعقاب” – محاكمة الروح

عن الكاتب

فِيُودُور مِيخَائيلُوفِتْش دُوسْتُويَفِسْكِي (بالروسية: Фёдор Миха́йлович Достое́вский) (11 نوفمبر 1821 – 9 فبراير 1881) هو روائي وكاتب قصص قصيرة وصحفي وفيلسوف روسي. وهو واحدٌ من أشهر الكُتاب والمؤلفين حول العالم. تحوي رواياته فهمًا عميقًا للنفس البشرية وتقدم تحليلًا ثاقبًا للحالة السياسية والاجتماعية والروحية لروسيا في القرن التاسع عشر، وتتعامل مع مجموعة متنوعة من المواضيع الفلسفية والدينية.

بدأ دوستويفسكي الكتابة في العشرينيّات من عُمره، حيث كتب بعمر الـ25 روايته الأولى المساكين التي نُشِرت عام 1846. أكثر أعماله شُهرة هي الإخوة كارامازوف والجريمة والعقاب والأبله والشياطين. تضم أعمالُه الكامِلة 11 رواية طويلة وثلاث روايات قصيرة، و 17 قصة قصيرة، وعدداً من الأعمال والمقالات الأخرى. اعتبره العديدُ من النُقّاد أحد أعظم النفسانيين في الأدب العالمي حول العالم.[10] وهو أحد مؤسسي المذهب الوجودي حيث تُعتبر روايته القصيرة الإنسان الصرصار أولى الأعمال في هذا المجال.

ولِد دوستويفسكي في موسكو عام 1821، وبدأ قراءته الأدبية في عُمرٍ مُبكّر من خلال قراءة القصص الخيالية والأساطير من كُتّاب روس وأجانب. توفّيت والدته عام 1837 عندما كان عُمره 15 سنة، وفي نفس الوقت ترك المدرسة والتَحق بمعهد الهندسة العسكرية. وبعد تَخرّجه عَمِل مُهندساً واستمتع بأسلوب حياةٍ باذِخ،

وكان يُترجم كُتباً في ذلك الوقت أيضاً ليكون كدخلٍ إضافيّ له. في مُنتَصف الأربعينيات كَتب روايته الأولى المساكين التي أدخلته في الأوساط الأدبية في سانت بطرسبرغ حيث كان يعيش. أُلقيَ القبض عليه عام 1849 لانتمائه لرابطة بيتراشيفسكي وهي مجموعةٌ أدبية سريّة تُناقِش الكتب الممنوعة التي تنتقد النظام الحاكِم في روسيا وحُكِم عليه بالإعدام، ولكن خُفف الحُكم في اللحظات الأخيرة من تنفيذه، فقضى 4 سنوات في الأعمال الشاقّة تلاها 6 سنوات من الخدمة العسكرية القسرية في المنفى.

في السنوات اللاحقة، عَمِل دوستويفسكي صحفيّا، ونَشر وحرّر في العديد من المجلّات الأدبية، وعُرِفت تلك الأعمال بـ مذكرات كاتب وهي مجموعة مجمعة من مقالاته خلال أعوام 1873-1881. وقد واجه صعوبات مالية بعد أن سافر لبلدان أوروبا الغربية ولعب القِمار. ولبعض الوقت، اضطر فيودور للتسوّل من أجل المال، لكنه في نهاية المطاف أصبح واحداً من أعظم الكُتّاب الروس وأكثرهم تقديراً واحتراماً، وقد تُرجِمت كتبه لأكثر من 170 لغة.

تأثر بعدد كبير من الكُتّاب والفلاسفة آنذاك منهم سورين كيركغور وألكسندر بوشكين ونيقولاي غوغول وأوغسطينوس ووليم شكسبير وتشارلز ديكنز وأونوريه دي بلزاك وميخائيل ليرمنتوف وهوغو وإدغار آلان بو وأفلاطون وميغيل دي ثيربانتس وألكسندر هيرزن وإيمانويل كانط وفيساريون بلنسكي وجورج فيلهلم فريدريش هيغل وفريدريك شيلر وميخائيل باكونين وجورج ساند وإرنست هوفمان وآدم ميتسكيفيتش. كانت كتاباته تُقرأ على نطاق واسع داخل وخارج موطنه روسيا، وأثّرت على العديد من الكُتّاب الروس وغير الروس منهم جان بول سارتر وفريدريك نيتشه وأنطون تشيخوف وألكسندر سولجنيتسين.

السابق
ليلة حب بين الخوف والاعتراف