اقرأ معنا

الجلاد تحت جلدي حين يتكلم الألم من الداخل

كم نحن بحاجةٍ إلى هدنةٍ من عقولنا اللاهثة المحتشدة بالصخب؛ ليأتي كتاب الجلاد تحت جلدي مستراحٍ من ضجيج أصواتنا الداخلية المعطِّلة، ما بين معاييرَ مثاليةٍ لا يسعنا الوفاء بها، وأصواتِ الذنب والتقصير التي لا ترحم محدوديتنا، وهرعٍ للحاق بموكبٍ غامضٍ قد سَبقَنا، ومقارناتٍ ذاتيةٍ ظالمةٍ تشعرنا بثقل التأخر، واجترارٍ مستدامٍ لماضٍ لا يسعنا تغييره، وأحلامِ يقَظةٍ تفصلنا أحيانًا عن واقعية العمل!
هي رحلة للداخل نواجه فيها تلك الأصوات المكبِّلة التي تشلنا، لعلنا نتحرر منها.. فاركب معنا.

الجلاد تحت جلدي ليس فقط عنوان مثير لجذب القراء ، هو وصف حقيقي لما يحدث مع الكثير منا ، هو وصف لما نهرب منه ، نلوم دوما ذواتنا ، لا نرحمها ، وهذا الكتاب رحلة في أعماق النفس البشرية ودعوة للتعافي ونظرة ثقة وشجاعة للذات .

من هو الجلاد

ليس شخصا من الخارج ، ليس الآخرين بل هي نفسك ، فشلك ، أحلامك التي لم تتحقق، عقد الطفولة ، ذاتك اللوامة ، الآنا . التجاب والمقارنات ، صوتك الداخلي الذي يقسو .

❞ فقد كنتُ هناك أحمل عقلًا كعقله؛ عقلًا كثير المطالبة دائمَ الفكر شديدَ الإلحاح، صارمَ التوبيخ، يُعنتني ويُرهقني ويُفزعني، ولا أحد بالجوار يمكنه أن يكف عني ضجيجه أو يخفف عني وقع أسواط الجَلد الداخلي منذ طفولتي. ❝

جراح الماضي والجلاد

نحن فعليا نتاج تجاربنا ، نتاج ما يحصل معنا ، لكن لا يجب علينا الوقوف على هذه التجارب والجروح علينا تحرير أنفسنا منها ، لنستطيع المضي قدما في هذه الحياة ، علينا أن ندرك أننا بشرا أيضا ولا بد أن نخطئ ونقع ونتعثر لكن في النهاغية سننهض وأقوى من ذي قبل .

نطيل التفكير والمقارنة بين ما كنا نريده وما نحن عليه الآن ، ونجلد ذاتنا والأمر أهون من ذلك دائما خطة الله هي الأفضل لنا .

 ❞إن الألم يوجِّهنا، وصدماتنا القديمة تَقهرنا، والملفات العالقة والغامضة داخلنا تُحدد مساراتنا وتوهِمنا أن المعاناة هي قدَرنا، وتُبقينا في البؤس عبر إعادة تخليق الظروف التي آلمتنا ابتداءً مرةً تلو المرة.❞
 

❞إن مشكلتنا الحقيقية أن آلامنا القديمة شكَّلت هويتنا، وتحوَّلت إلى أنماط سلوكية وعلائقية مفعَّلة ربما دون وعي منا. وكل ما لا نعيه يصبح مسيطرًا ويصعب الفكاك منه، وكل ما لا نفهمه يحمل سطوةً علينا تعوقنا عن مواجهته. وأمام كل اختيار وعند كل فعل تصبح دواعي الفعل المُعيق المُخرب لذواتنا مؤثرةً تأثيرًا شديدًا في اختيارنا، توهِمنا بأن ما نفعله هو في صالحنا وصالح مَن نحب، حتى تنهال علينا الخسارات من حيث أردنا حمايتهم وحمايتنا.❞

❞ الكمالية ليست رغبةً في الامتياز، وإنما بِنية دفاعية متكاملة تقوم على محاولة اجتناب الخوف وتحاول تغطية قلقٍ وجوديٍّ مزمنٍ غيرِ منقطِع. أي إنها في حقيقتها شكل من الاجتنابية المركَّبة، نظام تحكُّم صارم .❝

الصوت الناقد والوعي

أجمل ما في الكتاب هو كيف يتحول الصوت الناقد إلى صديق ترافقه يحنو عليك ، يحثك أن يكون خطابك الداخل دعما ولا تحطيما ، يحثك أن تتعامل مع نفسك برفق ، فإن لم ترحمها أنت من سيرحمها ؟

 ❞ فالطفل الذي يحيا دون قواعد يستند إليها، حتى إن كانت محبِطةً بالنسبة إليه، هو طفل نُفرِّخ له القلق ونُدجِّن له الخوف. ❝
 

التعافي و الألم

كل إنسان يريد العيش هو مسؤول عن نفسه ، مسؤول تعافيه الذاتي لن يمسكك أحد ة، لن ين ينقذك أحد إن لم تفعل أنت هذا ، يعلمك الكتاب كيف تستقبل الأصواتا الناقفدة كيف تتعامل معها .

 ❞وفي مواقيت الانتكــــــــــــاس نتذكر: أن الانتكاسات جزء أصيل من عملية التعافي، فالتعافي يسير خطوتان للأمام وخطوة للخلف، فمن الطبيعي أن نعود للتماهي مع صوت الكمال، ومن العادي أن تعاودنا نوبات جَلد الذات. لذا نحن نغيِّر من توجهنا إزاء الانتكاسات فلا نعتبرها ضياعًا لِما فات من المحاولات، ونتبنى حالةً من التطبيع مع احتمالات التراجع، بل نفكر أن الانتكاسة ربما تكون ضرورةً -أحيانًا- تُعرفنا على ثغرات تفكيرنا والمناطق الهشة التي تعود فيها هجمات الكمالية لتخترقنا؛ أي أن الانتكاسة لحظة تذكير لا نهاية المسير. ❞

 ❞أي إن الشفاء والتعافي عملية تلقائية لا تستوجب عنتًا ولا تستدعي المشقة، ولا اعتبار فيها لبذلٍ مُضنٍ للجهد، فالسير فيها سَير القلب، والمسار فيها يَقطع الوعيُ منه ما يُرهق العضلات محضُ النظر نحوه، والتعافي لا يتعدى كونه تغيير حقيقي في التوجه والمنظور الذي ننظر منه للأشياء، ولا شيء أكثر!❞
 

الجميل في هذا الكتاب أنه مرآة صادقة للروح ، لا يمنحنا إجابات جاهزة بل يمنحنا شجاعة السؤال ، هو رحلة الوعي والتعافي ، والخلاصة ليس التخلص من الألم بل معرفة كيفية التعامل معه ، وتعريف العلاقة مع الذات وهو تجربة داخلية لا يستهان بها .

اقرأ أيضا : أحببت وغدًا .. ونجوت


 اقتباسات

  • وهكذا نفوسنا تحمل سُنة الله نفسَها في الخلق، وقانونَه في الكون، مجبولةٌ على الاستشفاء متى نظفنا الجروح بنور الوعي، وأزلنا المعوقات بتغيير التوجه، وطهرناه من الملوثات باتباع المبادئ العامة للتعافي، وتعاهدناها بالرعاية والاعتناء.
  • الكمالية ليست طلبًا للمزيد ‏قدْر كونها محاولة أن نشعر بخوف أقل.
  • إذا أردت أن تُغرقه في الحيرة، فامنحه الاختيار .
  • يستعيذ الفاروق من تلك الحقيقة: جَلَد الفاجر وعجز الثقة، التي إن أعاذ اللهُ منها الكون لاعتدل واتزن، ولربما صار مكانًا أفضل للعيش.
  • تلك اللحظات يمكن استخدامها ببراعة في نمو صحي ونُضج نفسي استثنائي يمكن عبر التنقيب عنها معرفة سِرِّ الوجود الذاتي؛ فهذا هو المراد منا، وهذا هو ما جُبلنا عليه وربما تلك مشيئة الله بحياتنا، «اعمَلوا، فكلٌّ مُيسَّرٌ لِما خُلقَ له»، وذاك التيسير العجيب الذي تستشعره في مساحةٍ ما فتفعلها بأريحية، ربما هو دلالة على معنى حياتك المفقود، ومرتكز وجودك الذاتي المحض.
  • فليس ثمة حميمية يمكن أن تنشأ فوق تربة محترقة بغياب الثقة!
  •  إننا حين ننطق الأفكار أو نكتبها أو نراقبها، فإنما نفك سطوتها علينا ونوقف التهويل والتفكير الكارثي.
  • لا يمكن للحقيقة إلا أن تكون عنيفةً، ليس ثمة حقيقة مريحة قَط.
  •  ولمَّا أصابني اليأس من ضخامة العمل المطلوب، دفعني اليأس للاستسلام زمنًا. وفي لحظة إشراقية قررت أن أفعل شيئًا واحدًا فقط، وهو أن أمارس نوعًا من العمل برعونة! نعم، فلا أعيد التحقق من كل عمل أعمله، بل أسمح لأعمالي أن تكون .
  • إن أعظم ما يُكبلنا ليس ما يتوقعه الناس منا قدْر ما عودناهم يومًا عليه فلا يسعنا التخلف عنه.
  •  أكتب عن مأساة، عن تراجيديا حياتية يومية، لأناس مميَّزين واستثنائيين عطَّلتهم استثنائيتهم نفسُها، وأصابتهم فرادتهم بالشلل .
     

عن الكاتب

طبيب وكاتب وروائي مصري من مواليد ١٩٨٦، اختصاصي أمراض المخ والأعصاب والطب النفسي، تخرج في كلية الطب- جامعة الاسكندرية 2010، وحاصل على ليسانس اللغة العربية وآدابها من كلية دار العلوم – جامعة القاهرة 2020.

اقرأ أيضا : “شجرة الفهود” ملحمة التاريخ والعشق 2.

التقييم النهائي

  • اسم الكتاب: الجلاد تحت جلدي
  • اسم الكاتب: عماد رشاد عثمان
  • عدد الصفحات: حوالي 400 صفحة
  • التصنيف: علم النفس – الوعي الذاتي – التعافي النفسي
  • الموضوع: الصوت الداخلي الناقد، جلد الذات، الجروح النفسية، التصالح مع النفس
  • الفئة المناسبة: البالغين، ولكل قارئ مهتم بفهم ذاته، والتعامل مع صراعاته الداخلية، وبناء علاقة أكثر رحمة مع نفسه.
  • تقييم النجوم: ⭐⭐⭐⭐☆ (4 من 5)

مياده فائق مهندسة مدنية تخرجت من جامعة البلقاء التطبيقة عام 2017 ، محبة للقراءة والكتابة بشكل لا يوصف ، أكتب المقالات بشكل يومي عن الكتب التي قرأتها، أهلا وسهلا بكم ❤️

السابق
الأخوة كرامازوف والصراع العائلي
التالي
ليلة حب بين الخوف والاعتراف