اقرأ معنا

رواية “وجه الزمان” – طاهر العدوان

في رواية “وجه الزمان” يأخذنا طاهر العدوان إلى عالم سياسي–إنساني معقّد، تتشابك فيه الأسئلة الكبرى مع التفاصيل اليومية، وتتداخل فيه حكايات البشر مع صراع السلطة والذاكرة والهوية. ليست الرواية مجرد سرد لأحداث، بل هي مواجهة مباشرة مع الزمن: كيف يغيّرنا، كيف يعرّينا، وكيف يكشف حقيقة الإنسان حين تُرفع الأقنعة.

ما يميّز الرواية منذ صفحاتها الأولى أنها تُكتب بوعي سياسي عميق، وبحسّ إنساني مشحون بالأسى والبحث عن العدالة. الشخصيات تعيش في فضاء عربي مأزوم، حيث السلطة تراقب، والخوف يتحكم، والذاكرة تتحول إلى ساحة صراع. وهنا يلمع قلم العدوان، الذي يجمع بين خبرته الصحفية ورؤيته الأدبية، فيكتب رواية تجمع بين التحليل والدراما، بين العقل والعاطفة، بين الوجع والأمل.

هذه الرواية تلامس الروح شخصياتها فاطمة ضيف الله وأحمد وعودة وكل من فيها له بصمة خاصة وأحداثها كذلك .

اقرأ أيضا : أبناء القلعة: ملحمة أدبية1 .


ملامح العالم الروائي

العالم الذي يبنيه العدوان ليس عالمًا بعيدًا عنّا؛ إنه قريب، مألوف، يشبه مدننا، مقاهينا، دوائر السياسة التي تتحكم بالمصير الفردي كما تتحكم بالمصير العام. في هذا العالم، يسرد الكاتب حكاية شخصيات تواجه لحظة مصيرية، لحظة يصبح فيها الزمن هو الخصم الأكبر:
زمن يغيّر المواقف، يبدّل التحالفات، ويكشف الوجوه الحقيقية للبشر.

ومن بين جُمل الكاتب البليغة التي تلخّص جوهر الرواية:


“ما أخفاه الماضي يعود دائمًا… فالزمن لا ينسى أحدًا.”


الشخصيات بين الخوف والبحث عن المعنى

الشخصيات في “وجه الزمان” ليست نمطية، بل ثلاثية الأبعاد: تحمل ماضيها وندوبها، وتمشي في الحاضر وهي مثقلة بأسئلة مؤجلة.
بعضها يحاول النجاة، وبعضها يواجه ذاته، وبعضها يتورط في لعبة السلطة رغماً عن إرادته.

يقدم العدوان شخصياته بطريقة تُشعر القارئ بأن كل واحد منها يمكن أن يكون جارًا، قريبًا، زميلًا… أو ربما صورة منا.
فكل شخصية تحمل صراعًا داخليًا بين رغبة في الحرية وخوف من الثمن. وهنا يبرز سؤال الرواية الأكبر:

هل يستطيع الإنسان أن يواجه السلطة… عندما يكون في الحقيقة عاجزًا عن مواجهة نفسه؟

في هذه الرواية تبدو الشخصيات وكأنها ليست مجرد أدوات لتسيير الأحداث، بل هي مرايا متقابلة تعكس بعضها بعضًا، وتكشف للقارئ عن طبقات مخفية من الصراع الداخلي الذي يعيشه الإنسان حين يقف بين ما يريد فعله وما يُسمح له بفعله. في هذه الفقرة يتجلّى لنا العمق النفسي الذي يبنيه طاهر العدوان بعناية فائقة؛ فهو لا يقدم شخصية مسطّحة، بل إن كل شخصية تحمل جرحًا خاصًا وذاكرة تتآكل ببطء، حتى تبدو الأحداث السياسية مجرد خلفية لصراع أكبر: صراع الإنسان مع ذاته.

الشخصيات هنا تعيش داخل متاهة من الأسئلة الكبرى، وتحمل فوق كتفيها أثقال الزمن وندوبه. وكلما تحركت الأحداث، أدرك القارئ أن الزمن ليس مجرد إطار روائي، بل سلطة روحية تُعيد تشكيل مصائرهم. فالكاتب يذكّرنا باستمرار بأن

“الزمن لا يصفح، لكنه يمنح فرصة لمن يفهمه”

وهذه الجملة تمثّل روح الرواية: الإنسان قد يهرب من السلطة، لكنه لا يستطيع أن يهرب من أثر الزمن عليه.

يُلاحظ القارئ أن الشخصيات تسير نحو مصائرها بأسلوب واقعي لا تجميل فيه، وكأن العدوان يقول إن الحياة نفسها تكتب لنا نهايات لا نملك دائمًا اختيارها. بعض الشخصيات يظن أنه يتحكم بالأحداث، لكنه يكتشف أنه يتحرك داخل مساحة أوسع منه، وأن الزمن هو اللاعب الأكبر. وفي المقابل هناك شخصيات ينهشها الخوف لكنها تكسب معركتها الداخلية حين تدرك أن الحقيقة أثمن من النجاة المؤقتة.

يُضيء الكاتب مساحات داخلية لم تُذكر صراحة في السرد لكنها تتسرّب للقارئ عبر لغة مشحونة بالأسى: نظرة صامتة، حركة يد، ذكرى تعود، قرار صغير يغيّر كل شيء. هذا التوصيف الدقيق يجعل القارئ يشعر أن الشخصيات من لحم ودم، وأنه يعرفها كما يعرف نفسه. بل يشعر أحيانًا بأن أحدهم يشبهه في شيء ما، في خوف ما، في حلم مؤجل، أو في لحظة ضعف.

إن هذا الفصل النفسي الذي يضيفه العدوان إلى الرواية يجعل “وجه الزمان” عملًا أدبيًا لا يمكن تصنيفه كعمل سياسي فقط، بل هو عمل إنساني بامتياز، يغوص في اللحظات الصامتة التي لا يراها أحد، وفي الجروح التي لا تُروى إلا بصوت داخلي خافت. وهنا يكمن سحر الرواية؛ إنها لا تصرخ… لكنها توجعك. لا تُعلّمك… لكنها تغيّرك. وكأن الكاتب يريد أن يقول لنا: “الإنسان ليس ما يفعله أمام الآخرين، بل ما يخشاه في صمته.”


البنية السردية ولغة الرواية

لغة العدوان في هذه الرواية قوية، شفافة، لكنها حادة في الوقت نفسه.
يكتب بجمل قصيرة محمّلة بالمعنى، ويستخدم وصفًا دقيقًا للمشاهد، ويعتمد على حوارات تشبه الواقع تمامًا، حوارات تسمع فيها صوت الشارع وصدى المكاتب السياسية.

أسلوبه يميل إلى الإيقاع المتوازن، فلا يندفع نحو الميلودراما، ولا ينزلق إلى التحليل الممل.
بل يقدم سردًا واقعيًا مشبعًا بعمق نفسي يجعل القارئ يعيش داخل الرواية لا بجانبها.

أحد الاقتباسات اللافتة في الرواية:


“كل شيء يتغير… إلا الوجوه التي رسمها الزمن على أرواحنا.”


الثيمات الأساسية في الرواية

1. الزمن كقوة حاكمة

الرواية تقوم بالكامل على فلسفة الزمن:
كيف يعاقب؟ كيف يطهّر؟ كيف يفضح؟
فالزمن في الرواية ليس مجرد سياق، بل شخصية أساسية.

2. الصراع السياسي وتأثيره على الروح

تُظهر الرواية أن السياسة لا تدمّر الدول فقط، بل تدمّر الإنسان من الداخل: علاقاته، ثقته، قدرته على الحلم.

3. الذاكرة كعبء وكخلاص

العدوان يعالج الذاكرة كمرآة: تُظهر ما حاولت الشخصيات الهرب منه، لكنها في الوقت نفسه الطريق الوحيد نحو الحقيقة.

4. الحرية… الحلم الأصعب

الشخصيات تحاول الإمساك بالحرية، لكن الحرية نفسها في الرواية هشّة، محاصرة، مهددة طوال الوقت.

اقرأ أيضا : بينما ينام العالم أبو الهيجاء وفلسطين


الزمن والسلطة

في هذه الفقرة تتجلى القاعدة الذهبية التي تحكم الرواية كلها: العلاقة الملتبسة بين الزمن والسلطة. فالسلطة في “وجه الزمان” لا تظهر بصورة السجون أو المكاتب الرسمية فقط، بل تظهر كقوة غير مرئية تتحكم بالخيارات، وتعيد ترتيب المصائر، وتحوّل الخوف إلى جزء طبيعي من الحياة. يظهر الزمن هنا كقاضٍ صامت، يراقب دون أن يتدخل مباشرة، لكنه يسجل كل تفصيلة بدقة مخيفة. ولهذا يقول الكاتب في أحد الاقتباسات العميقة:

“السلطة تغيّر شكل الإنسان، لكن الزمن يكشف حقيقته.”

من خلال الأحداث، يكتشف القارئ أن الشخصيات ليست ضحية السلطة وحدها، بل ضحية الزمن الذي سمح للسلطة أن تتجذر، وأن تفرض على الإنسان طريقة معينة للنظر إلى نفسه وإلى العالم. فالبطل — ومن حوله — يعيشون ازدواجية مؤلمة: يريدون قول الحقيقة، لكنهم يدركون أن قولها قد يكلفهم أحبابهم، مستقبلهم، أو حتى حياتهم. هذه الازدواجية تُشكل توترًا نفسيًا كبيرًا يجعل الرواية مشحونة بطاقة عميقة، ويجعل القارئ طوال الوقت في حالة مراقبة قلقة لخطوات الشخصيات.

يستند العدوان إلى خبرته السياسية العميقة ليُظهر أن السلطة ليست دائمًا مَن يسيطر على الشعوب، بل أحيانًا تكون الشعوب هي من تمنحها القوة حين تسكت، وحين تخشى المواجهة. لكنه لا يحمّل أحدًا اللوم كاملًا؛ بل يكشف هشاشة الإنسان ذاته حين يُحاصر بالخوف والشك والانتظار. فالزمن، كما يصوره، يصبح سيفًا يؤجل العدالة، لكنه لا يلغيها. ولهذا تأتي لحظات الحقيقة في الرواية مفاجئة، لكنها منطقية، وكأن الزمن نفسه اختار لحظة الحساب.

ويبرع الكاتب في تقديم مشاهد رمزية تظهر الآثار التي تتركها السلطة في أرواح الناس قبل أجسادهم: نظرة حذرة، كلمات مقتضبة، خوف مزمن من الأسئلة، وذاكرة مُشوّهة تشكلت تحت الضغط. كل شخصية تحمل ندبة سياسية، لكن الزمن هو الذي يحول هذه الندبة إلى درس، إلى وعي، وربما إلى بداية خلاص.

إن العلاقة التي يبنيها العدوان بين الزمن والسلطة تشبه رقصة طويلة، يختلط فيها الخوف بالأمل، والصمت بالغضب، والضعف بالشجاعة. ومع كل صفحة يشعر القارئ بأنه يرى نفسه في مرآة واسعة لا تخص الرواية وحدها، بل تخص العالم كله. وهنا تتجاوز “وجه الزمان” حدود الأدب السياسي لتصبح شهادة إنسانية على أن الحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تموت. وأن الزمن — مهما طال — سينتقم من الظلم بطريقته الهادئة، القاسية، والعادلة في آنٍ واحد.


تحليل نقدي

نقاط القوة

  • بناء شخصيات عميقة وواقعية.
  • لغة أدبية ناضجة ومباشرة.
  • قدرة عالية على دمج السياسي بالإنساني دون مبالغة.
  • موضوع الزمن قُدّم بطريقة رمزية جميلة وغير مباشرة.

نقاط الضعف

  • بعض الفصول تحتاج لوتيرة أسرع.
  • ثقل الأحداث السياسية قد يكون مرهقًا لغير المهتمين بالشأن العام.

خلاصة شعورية

“وجه الزمان” ليست رواية تقرأها وتغلقها ببساطة؛ إنها تجربة تعيش في داخلك.
تشعرك بأن الزمن ليس مجرد لحظات تمضي، بل هو تاريخ يكتب عليك وعلى الآخرين.
تترك الرواية في قلب القارئ سؤالًا مُقلقًا:


من نحن حقًا حين نُواجه وجوهنا في مرآة الزمن؟

هي رواية تُقرأ ببطء، وتُحسّ بعمق، وتُفهم مع كل إعادة قراءة أكثر.


التقييم النهائي

  • اسم الكتاب: وجه الزمان
  • اسم الكاتب: طاهر العدوان
  • عدد الصفحات: 280 تقريبًا (حسب الطبعة)
  • التصنيف: رواية سياسية–اجتماعية
  • التقييم: ⭐⭐⭐⭐ (4/5)
  • الموضوع: السلطة، الزمن، الذاكرة، الإنسان
  • الفئة المناسبة: محبّو الروايات العميقة والواقعية والتحليل السياسي
  • اللغة: عربية فصيحة سلسة

مياده فائق مهندسة مدنية تخرجت من جامعة البلقاء التطبيقة عام 2017 ، محبة للقراءة والكتابة بشكل لا يوصف ، أكتب المقالات بشكل يومي عن الكتب التي قرأتها، أهلا وسهلا بكم ❤️

السابق
فكّر أكثر… وستدهشك الحياة