اقرأ معنا

أفاعي النار رواية العشق والخراب والهوية الممزقة

في روايته “أفاعي النار: حكاية العاشق علي بن محمود المغربي”، يضعنا جلال برجس أمام مرآة قاسية نرى فيها العالم العربي وهو يتأرجح بين الحلم والكابوس، وبين الهوية والانكسار، وبين الحب والدم.

رواية لا تُقرأ بسطحية، بل تُسبر فيها أعماق النفس البشرية وسط الخراب السياسي والوجودي. بأسلوب شاعري يلامس القلب، وبلغة تحتشد بالصور والمجازات، يروي برجس قصة لا تنتهي بانتهاء السرد، بل تظل تقرع باب القارئ من الداخل.

في حضرة الحكاية

علي بن محمود المغربي، بطل الرواية، ليس مجرّد شخصية تتوالى على لسانها الأحداث، بل هو أيقونة إنسانية تمثّل المأساة الكبرى للإنسان العربي المعاصر.

فتى أحرقته النيران التي لا تشتعل فقط في الخارج، بل تحرق الداخل أيضًا؛ نيران القهر والخذلان والحروب، ونيران الشوق والبحث عن الحلم والحرية والأنوثة.

يحمل علي في قلبه قصة عشق وخراب، وخلفه ظل أب مختفٍ في ظروف غامضة، وأم اختنقت بالغياب، وواقع مأزوم كلما حاول تجاوزه سقط أعمق في أوحاله.

“أنا ابن هذا الخراب، لا أعرف كيف أُولد من جديد إلا إذا احترقت.”

لغة الرواية

اللغة في “أفاعي النار” ليست محض وسيلة للسرد، بل هي كائن حي ينبض ويتألم ،يمتاز برجس بلغته الشاعرية المتدفقة التي تمزج بين الواقعي والحلمي، وبين الرمزي والتشكيلي.

تشعر بأن الرواية كُتبت على نَفَسٍ واحد، كأنها صرخة وجودية خرجت من أعماق كاتب متألم.

“اللغة هنا ليست ترفًا أدبيًا بل وسيلة للبقاء وسط الدمار.”

الصور الشعرية، المجازات، التكرارات الواعية، والمقاطع التي تشبه الترانيم ،كلها تبني فضاءً سرديًا يُشبه القصيدة الطويلة، ولكنها محمّلة بمعانٍ سياسية وفكرية ونفسية.

البنية السردية

الرواية لا تسير وفق خط زمني تقليدي، بل هي شظايا زمنية، تتداخل فيها الذكريات مع اللحظات الآنية، ويتحوّل الماضي إلى مرآة للحاضر.

هذا التلاعب بالزمن لا يربك القارئ بل يعمّق تجربته، ويدفعه للبحث عن معنى وسط فوضى الأحداث.

“هل يمكن للحكاية أن تنقذ الإنسان؟ أم أنها فقط توثق احتراقه؟”

كما يعمد الكاتب إلى كسر خط السرد بين الحين والآخر بمدونات وتأملات وخطابات داخلية، مما يمنح النص ثراءً فلسفيًا ونفسيًا ويُخرجه من كونه مجرد حكاية حب أو فاجعة شخصية.

اقرأ أيضا :استمتع بحياتك لأن الحياة لا تنتظرك

الأنوثة في الرواية

المرأة في الرواية ليست مجرد موضوع عشق. إنها رمز للوطن، للحلم، للفقد، وللخلاص المحتمل. “رُبى” – معشوقة علي – ليست فقط امرأة تحرّك مشاعره، بل هي أيضًا تجسيد لفكرة الوطن الجميل والبعيد، ولفكرة الحياة الممنوعة.

“كل أنثى مررت بها كانت تشبه جزءًا من رُبى، وكل رُبى كانت تشبهني حين كنت أبحث عن ذاتي.”

الجسد الأنثوي في الرواية ليس إغراءً سطحياً، بل هو ساحة للصراع الوجودي، بين رغبة البقاء والانقراض، وبين الحلم والإثم، وبين الذاكرة والرغبة في المحو.

اقرأ أيضا : الحقائق والصراع في “دفاتر الوراق” .

الحرب والخراب

خلف كل صفحة، هناك صوت قذيفة، صدى انفجار، أنين أم ثكلى، أو صمت طفل فقد مدرسته ، لا يخبرنا برجس عن الحرب، بل يجعلنا نعيشها.

علي ليس فقط ضحية، بل شاهد زمن، وجزء من هذا الخراب. كذلك الشخصيات الثانوية مثل “كاميليا”، و”زيد”، و”أبو محمود”، جميعهم يجسدون أشكالًا مختلفة من الانهيار أو المقاومة أو الهروب.

الرواية لا تحمل موقفًا سياسيًا مباشرًا، بل تُدين الخراب العام الذي يصيب الروح قبل أن يصيب المدن.

“كل ما في الأمر أنني عشت زمناً لا يعرف الرحمة، فتعلمت أن أكتب عن النار كي لا أحترق بها.”

الهوية الممزقة

من القضايا الكبرى في الرواية سؤال الهوية، علي يتنقّل بين أماكن كثيرة، ويغيّر انتماءاته، لا لكونه متلوّنًا، بل لأن العالم حوله ينهار، ويجبره على البحث عن أرض يقف عليها.

والنتيجة أن الإنسان، كما تقول الرواية، يُهزَم مرتين: حين يُشرّد خارج وطنه، وحين لا يعود يعرف من هو.

في مشهد بالغ الرمزية، يقف علي أمام المرآة، يتأمل وجهه ولا يتعرف عليه، هذه اللحظة تختزل الرواية كلها: بحث عن الذات وسط دخان الحرب، وسط صراخ الذكريات، وسط الحنين لأبٍ غائب، وحبٍ محاصر.

المكان في الرواية

الرواية تمتد جغرافيًا من البلاد المغاربية، إلى الشام، فإلى العراق والأردن. ولكن هذه الأماكن لا تُقدَّم بوصفها مواقع جغرافية، بل ككائنات حيّة تتنفس الألم وتحمل الذاكرة.

الصحراء ليست فقط صحراء، بل موطن الصمت، ومدينة الخراب ليست فقط دمشق أو بغداد، بل هي صورة عن الوطن العربي كله.

اقرأ أيضا :غربة الياسمين: الغربة بين الهوية والانتماء

الكتابة كملاذ

في “أفاعي النار”، لا تكتفي الكتابة بكونها فعلًا إبداعيًا، بل تتحوّل إلى ملاذ وجودي يحتمي به البطل والكاتب معًا.

فحين تنهار المدن وتضيع الأوطان، لا يبقى أمام الإنسان سوى الحكاية كقارب نجاة أخير ،علي بن محمود المغربي يكتب كي لا يموت، يحفر في الذاكرة كي لا تندثر، ويعيد خلق العالم على الورق، بعد أن خذله في الواقع.

الرواية بذلك ليست مجرد حكاية عن عاشق، بل تأريخ ذاتي لعصر مضطرب، وحفر في الذات الجمعية العربية، التي أصابتها لعنة الحروب والخذلان.

جلال برجس يضع إصبعه على الجرح، دون أن يدّعي علاجه، لكنه على الأقل يُشعل شمعة في عتمته.

“كلما كُسِر شيء في داخلي، كنت ألملمه بالحبر.”

هذا الإيمان العميق بقوة الكتابة يظهر في مشاهد كثيرة من الرواية، حيث تتحوّل الحكاية إلى وسيلة للمقاومة، للنجاة، بل وللحب أيضًا. وحتى في أشد لحظات العنف، يظل الحرف هو السلاح الوحيد الذي لا يُصادر.

الحنين كألم مقيم

من أبرز ملامح الرواية أيضًا ذلك الحنين الطاغي للماضي ،ليس حنينًا رومانسيًا ساذجًا، بل حنين موجِع، أشبه بخنجر في الخاصرة.

علي يفتقد والده، يفتقد بيته، مدينته، حياته الأولى، لكن الأشد ألمًا أنه يفتقد نسخته الأولى من نفسه، قبل أن تحترق بالنار.

“كنتُ أبحث عني في الأمس، فلم أجد إلا دخانًا وبقايا لهب.”

وهذا الحنين لا ينفصل عن الحب. رُبى، المرأة التي أحبها، تمثّل ماضيه الجميل، حلمه المؤجّل، وصورته الأولى عن النقاء ،كلما تذكّرها، كان يعود إلى ذاته، إلى مكان أكثر دفئًا وإن كان محاطًا بالخيبة.

اقتباسات

1. “كلما كُسِر شيء في داخلي، كنت ألملمه بالحبر.”

2. “كنتُ أبحث عني في الأمس، فلم أجد إلا دخانًا وبقايا لهب.”

3. “ليس الوطن هو الأرض فقط، بل هو ذاكرة من نحب.”

4. “كلما أطفأت نارًا في داخلي، أشعلتها الحكايات من جديد.”

5. “أن تكتب، يعني أن تحفر قبرك في الورق.”

6. “الحب في زمن الحرب يشبه زهرة نبتت في فوهة مدفع.”

7. “الغائبون لا يموتون، بل يتحوّلون إلى حكايات تقتلنا ببطء.”

8. “كنت أركض وراء ظل أبي، فوجدتني أركض نحو نفسي.”

9. “لا شيء يشبه وجه أمي حين تحترق البيوت.”

10. “الخراب الخارجي يسكننا إذا لم نجد ما يحمينا من الداخل.”

11. “الكتابة نار، والقراءة احتراق ناعم.”

12. “كل مدينة دخلتها، تركت فيها جزءًا من قلبي.”

“أفاعي النار” ليست رواية تروى في جلسة عابرة، بل هي تجربة وجودية تتطلب قراءة متأنية.

جلال برجس نجح في أن يكتب رواية عربية بامتياز، تحمل وجعًا حقيقيًا، بلا ابتذال، وبجمالية عالية ،استطاع أن يجمع بين جمال اللغة، عمق الفكرة، وتمرد البناء السردي.

قد يشعر بعض القرّاء أن الرواية تتطلب تركيزًا كبيرًا بسبب كثافة الرمزية وتعدد الأزمنة، لكنها في المقابل تكافئ القارئ الواعي بتجربة لا تُنسى.

التقييم النهائي

اسم الرواية: أفاعي النار: حكاية العاشق علي بن محمود المغربي

الكاتب: جلال برجس

عدد الصفحات: 256 صفحة تقريبًا

التقييم : ⭐⭐⭐⭐⭐ (5 من 5)

الفئة المناسبة: +18، للمهتمين بالأدب العربي المعاصر، وقضايا الهوية، والحرب، والعشق

الموضوع: الحرب، الحب، الهوية، الحكاية، الإنسان العربي

السابق
استمتع بحياتك لأن الحياة لا تنتظرك
التالي
حين بكت الجبال ورددت الصدى