رواية في قلبي أنثى عبرية ليست فقط نصًا سرديًا يحكي قصة فتاتين، بل هي مرآة لأعماقنا، ومحرّك لتأملاتٍ فكرية، وجدانية، وعقائدية، قلّما اجتمعت بهذا الانسجام.
رواية من رحم الحياة الواقعية، كتبتها الدكتورة خولة حمدي، بأسلوبها الرقيق الذي يمزج بين الشعر والموقف، وبين رهافة الكلمة وخشونة الواقع، فنسجت من مأساةٍ إنسانية قصة فريدة تجمع بين المقاومة، الحب، الدين، والانتماء في فسيفساء متقنة.
حين تتشابك مصائر البشر بعيدًا عن الحسابات المعتادة، وحين يكتب القدر حبًّا يتجاوز الدين والحدود، ويتسلل الإيمان في ثنايا الألم، هناك تولد حكاية ليست ككل الحكايات.
في هذه المراجعة، سنغوص في أعماق الرواية، نستعرض بنية السرد، نحلل الشخصيات، ونستعرض الرسائل الفكرية والعاطفية التي نسجتها الكاتبة ببراعة.
Contents
العنوان وحده صلاة
“في قلبي أنثى عبرية“،ما أبهى هذا العنوان، وما أكثر ما يحتويه من تناقض وتسامٍ،في قلبي وليس في عقلي، أو في حياتي فقط.
أنثى رمز للحياة والحنان والهشاشة والقوة في آن.
عبرية الاسم الذي طالما ارتبط بالصراع، لكنه هنا محمول على قلبٍ لا يحاكم، بل يحتضن.
العنوان لا يُفصح عن دين، ولا يُظهر صراعًا مباشرًا، بل يفتح بابًا داخليًا على عالم من التناقضات: أن تحب المختلف، أن تحيا مع الآخر، أن تُصغي لنداء الروح ولو كان في الطرف الآخر من الهوية.

ريما
الطفلة التي لقّنتنا الإسلام دون أن تنطق بهلا تبدأ الرواية بندى اليهودية، بل بريما المسلمة، اليتيمة، التي وُضعت بمحض القدر داخل بيت يهودي في جنوب لبنان.
طفلة صغيرة، وديعة، تتعامل مع الآخرين برقيّ يفوق عمرها، لا تُعلن إسلامها ليفتخر أحد، بل تعيشه ليرتقي الجميع.
لا توبّخ، لا تنصح، لا تقنع، بل تكون.من خلال ريما، تُظهر الرواية أن الدين ليس دروسًا وأحكامًا، بل سلوكًا رقيقًا، حكيمًا، ثابتًا،ريما صامتة، لكن صمتها أقوى من كل المواعظ.
تحبّ من يكرهها، ترعى من يؤذيها، تصلي بهدوء، وتصبر بكرامة.كأنها تقول: “هذا هو الإسلام الحقيقي، لا تحتاج أن تُنادي به، فقط عِشه.”وكم نحن بحاجة اليوم إلى “ريما” في حياتنا، إلى قدوة تُعلّم بالحب، لا بالترهيب.
ندى
التائهة بين الحائط والصليب والهلال ندى، بطلة الرواية، فتاة يهودية تونسية، عاشت في مجتمع مغلق، وأسرة متشددة.
لكنها لم تكن مقتنعة بشيء من ذلك. كانت تعيش طقوسًا لا تعرف معناها، وقيودًا لا تُفسَّر، وشعورًا دائمًا بأن هناك “نقصًا” في العلاقة مع الله.
رحلتها تبدأ بلقاء مع ريما، حيث ترى لأول مرة تمثيلًا مختلفًا للدين، لا بالصوت العالي، بل بالحضور الهادئ.ثم تتطور علاقتها بأحمد، المجاهد اللبناني، الذي لا يُعاملها على أنها “عدو”، بل “إنسان”.
هنا تبدأ ندى في التفتح. لا بالضغط، بل بالتساؤل ،ولا بالحب وحده، بل بالصدق،كانت تبحث عن الله، لا الله الذي يُملى عليها، بل الله الذي يسمع القلب حين ينكسر، ويهدي من يصدق، ولو كان بعيدًا.
ندى ليست فتاة ضعيفة كما تبدو، بل هي الأقوى في الرواية،لأن أقوى إنسان هو من يملك الشجاعة ليشك، ثم يبحث، ثم يختار.
أحمد
رجلٌ صاغته القيم، فصارت كلماته صلاة ،أحمد، شقيق ريما، وشاب مقاوم، من طينة مختلفة ،لا يحمل السلاح فقط، بل يحمل فكرة، يحمل قضية، ويحمل إنسانية نادرة.
تعلقه بندى لا يبدأ برغبة، بل بتعاطف، ثم إعجاب، ثم احترام، ثم حب ،لكن حبّه ليس أنانيًا، لا يسعى لامتلاكها، بل لهدايتها.
لا يخدعها، لا يضغط عليها، فقط يكون مرآة لما يمكن أن يكون عليه الرجل المسلم: صادقًا، شريفًا، محبًا، ملتزمًا.
عندما يستشهد أحمد، لا تفقد الرواية رجلًا، بل تفقد قلبًا نابضًا بالحكمة،لكن موته لم يُنهِ الحكاية، بل أعطاها معناها الكامل ،لأنه مات كما عاش: من أجل الحقيقة.

الحب في الرواية
عبور لا استقرارالحب بين ندى وأحمد ليس حبًّا تقليديًا،هو حب تتخلله الأسئلة، وتحيط به القيود، ويحكمه قدر قاسٍ.
لكن ما يُميزه أنه لم يُرِد أن يطغى على الحقيقة، بل أن ينطلق منها،أحبّها لأنه رآها إنسانة تبحث، لا لأنها جميلة،أحبّته لأنه لم يحتقرها، بل رأى فيها “روحًا قابلة للصدق”.
لم يتبادلا الكثير من العبارات العاطفية، لكن كل لقاء بينهما كان مشهدًا متكاملًا من التوتر، والجمال، والانبهار،ربما لهذا، لم يكن الحب نهاية، بل كان بداية لرحلة ندى إلى الحقيقة.
الحقيقة
رواية في قلبي أنثى عبرية ليست دعوة للتبشير، ولا رواية “هداية” دعوية كما قد يتخيل البعض،بل هي تجسيد لصراع داخلي، تعيشه شخصيات تبحث عن الله، كل بطريقتها.
وهذا أجمل ما فيها: أنها لا تقدم الإسلام كدروس، بل كمساحة صدق داخلي،ندى لم تُجبر على الإسلام ، بل وصلت إليه لأنها أحبّت من جسّده لها بصدق.
وإسلامها لم يكن نهاية، بل بداية، بداية حياة جديدة مليئة بالوجع، والعزلة، لكنها مليئة بالرضا كذلك.
تونس
الجزء الذي يدور في تونس يسلّط الضوء على معاناة ندى بعد إسلامها،الرفض القاطع من أسرتها، الاتهام بالخيانة، المعاناة في بيئة لا تتقبل المختلف.
تلك المشاهد كانت موجعة، لأنها تعكس واقعًا عربيًا يُخفي تطرفه داخل ستار “الخصوصية المجتمعية”،لكن رغم ذلك، ندى صمدت،لم تنكسر، ولم تساوم.

الأسلوب الأدبي
موسيقى داخلية لا تهدأ خولة حمدي كاتبة تمتلك أدواتها بقوة،لغة الرواية جميلة دون تكلف، شاعرية دون أن تُثقل المعنى، واضحة دون ابتذال.
استخدمت أسلوب الرسائل بشكل متقن، مما أعطى الرواية بعدًا شخصيًا، وجعل القارئ يشعر أنه يطّلع على أوراق سرية.
كما أتقنت الانتقال بين الأمكنة (لبنان – تونس)، وبين الأصوات السردية (ندى، الراوي العليم)، مما أضفى حيوية على النص.
رسائل الرواية
1. الإيمان لا يُفرض، بل يكتشف
أمثال ريما في حياتنا كثيرة، لكن هل نراها؟ هل نتعلّم منها؟ هل نُبصر نورهم؟
2. الاختلاف ليس عيبًا، بل بداية حوار
أحمد لم يرفض ندى لأنها يهودية، بل رأى فيها إنسانة، وهي لم تنغلق على ذاتها، بل انفتحت حين شعرت بالصدق.
3. المرأة قادرة على التحدي
ندى تحدت أهلها، وعاداتها، ومجتمعها، لا لتثبت شيئًا لأحد، بل لتكون صادقة مع ذاتها.
4. الهوية الحقيقية… إيمانك، لا نسبك
لم يكن انتماء ندى لليهودية سوى قيدٍ ورثته، لكنها اختارت الخروج منه بشجاعة، الريماهات في حياتنا تذكّرنا أن الحقيقة ليست فيما وُلدنا عليه، بل فيما نختاره بحرية.
اقتباسات خالدة
١. “كنت أبحث عن الله، لا عن ديانة، فوجدته حين رأيت من يعيشه.”
٢.”ربما الحب لا يكفي، لكن الحب الذي يقودك إلى الله… لا يُقدَّر بثمن.”
٣. “حين تُفكر بعينيك فقط، ترى الحدود. حين تُفكر بقلبك، ترى الحقيقة.”
اقرأ أيضا :الحب في العلاقات الزوجية رحلة قلوب
ما لم يُقال ونتمناه
كنت أتمنى أن يُمنح التحول الروحي لندى مساحة أكبر بعد إسلامها، خاصة في عرض حياتها الجديدة، علاقاتها، وحيرتها الإيمانية.
بعض الحوارات كان يمكن أن تكون أعمق، وتُبتعد قليلًا عن المباشرة،لكن رغم ذلك، تبقى الرواية عملًا مميزًا، وأقرب ما يكون إلى الصحوة الوجدانية الناعمة، التي لا تفرض، بل تُلهم.

في قلبي أنثى عبرية ليست فقط رواية، بل مرآة لنا جميعًا.
مرآة تسألنا: من نحن؟ وماذا نؤمن؟ وهل نملك الشجاعة لنحبّ، لنصدق، لنتغير؟
هي قصة الحب الذي لا يُزهق الروح، بل يُحييها.
هي قصة الإيمان الذي لا يُعادي العقل، بل ينوره.
هي دعوة لأن نفتح قلوبنا، لا فقط عقولنا.
ولذلك، تبقى هذه الرواية من الأعمال التي تسكن القلب طويلاً بعد انتهاء الصفحات.
وما أجملها من رواية… وما أعمقها من درس. 🌿
اقرأ أيضا :أنبياء كذبة الهروب من أسر الأصوات المقدسة
التقييم النهائي
اسم الرواية: في قلبي أنثى عبرية
اسم الكاتبة: د. خولة حمدي
عدد الصفحات: حوالي 384 صفحة
التقييم: 4.5 من 5
الفئة المناسبة: +15 عامًا، وخصوصًا المهتمين بالهوية، الإيمان، الحب، وقضايا الصراع الإسرائيلي
الرسالة الأساسية: الحب الحقيقي لا يُعارض الدين، بل يقوده. والإيمان لا يُولد في الكتب، بل في التجربة.
اقرأ أيضا : إلى حبيبين مرآة الزواج بين النضج والحب










